RSS Feed
و أنا..أنا..لا شيء آخر

Thursday, August 13, 2009

عجوزُ الكراماتْ.




لا يصحُّ أن تكتملْ السلسلة.. دون حلقةِ الوصْل،و عجوزُ الكرامات ..هي مِسكُ الختام عندي..البنات يعشقونها لأنها تقرأ في عيونهن ما يُردْن و تُخبرهن..لها قدرةٌ هائلة علي قراءةِ اسمِهِ في عينيكِ..و معرفةِ لون نيّته..سواء سوداء أو بيضاء أو حتي بمبي مسخسخ،و ربما معرفة أشياء مُشينة كذلك عن مُراهقتِه. يتصارعن عليها ظهيرة أيام الأربعاء و الخميس علي أول شارعنا، لا تسمحُ بأكثر من خمس دقائق للبنت الواحدة،التي لا تسأل عن شيءٍ سوي حبيبها و لون جواربه كأنّه إله الكون..تهُربُ منهن و تختصني ببقية اليوم..تخبرني كيف تقرأ في عيون البنات،و تحكي كيف بدت الحياة سهلة و مقشرَة "كاللوّز" واعدةً إياها بسعادة و استقرار أبديّ،و كيف تقلّبت الأقدار فجأة في عرْكةٍ صغيرة بالمذبح راح ضحيتها أفراد العائلتين و بعضُ أفراد قوّات البوليس.

تحكي أحياناً عن إعجابها بفتوة من "طولون" كان اسمه "سيّد العريان " ،تبدأ الحكاية بانتظارهِ لها كل يوم ،عائدةً من السوق بمشنّة الخضار ،مرتديةً السواد علي العالم،يسألها إن كانت تحتاج شيئاً أو لا..و يبتسم لها و يرحل،تنتقلُ الحكاية فجأة إلي قبلةٍ مُختلسةٍ في ظهر الجامع الكبير،تخبرني عن روعتها فيما تتشابك رُوحيهما مع اندلاقِ جسديهما،فيما هي ترتفعُ بعينيها عن عينيه.. لتري تَعانُق مئذنتي "السلطان حسن" و " الرفاعي" علي البعد،تحكي عن هفهفة الروح بمفرداتٍ لا تصلح للحديث عن الأرواح، و لكنني أفهم..و أحسُّ و أضطرب..حتى تَتَسع عيناي و تزداد ضربات قلبي و ترتعش يداي انتظاراً ،ولكنها تصمتْ دائماً هنا.. و لا تأتي أبدأً بقيةُ الحكاية.
تعاملني بنديّة..كأنني أقرأُ العيون مثلها..و الحقيقة أني لا شيءْ في هذا المضمار..و لكنها كانت تقول: بنت! أنتِ جميلة! وجهك برئ و عيناكِ ماكرة! و أنا أضحك علي الشِّعر الذي تقوله،فلا تفهم..و تخبرني أنها تتمني أن تري "شَعْري" مفروداً و سائحاً و نائحاً كصورتها عن الحُور العِين،و تخبرني بسرٍ: الرجال يحبُّون الشَعْر المفرود!..توقفي عن تصرفات العباسية و افردي شعرك بزيت من عند العطّار! تتساءلين لماذا يخافون منكِ دائماً؟ لأنك تهوّشين شعرك مثل أمنا الغولة!!

تصرُّ دائماً أن أعلِّمَها حفظ الأغاني و معانيها،تعشقُ "أم كلثوم" ،و هي من علّمتني روعة الانسجام علي "الأطلال"،أعلمها قدر استطاعتي،آتي لها بدواوين لبيرم التونسي لأنه الأسهل،و لكنها تريد أن تسمع أحمد رامي،و أحمد شوقي،و إبراهيم ناجي،هي لا تعرفهم..و لكن يكفيها أن تسمعْ "كان صرحاً من خيالٍ فهوى" لتقضي الليل تعلمني قراءة العيون.
تأمرُ بالانتباه:بنت! فانتبه..تستطرد: العيون أسرار..كل واحد ممن ترينهم يحمل بداخله حزناً و فرحاً و خوفاً..تتعدد الدرجات..فتلاقي الشجن و الزعل و الضيق،أو الروقان و السرور و الغِبْطة،أو القلق و الرعب و الهلع..إنما الأصل..ثلاثة..هم الحزن و الفرح و الخوف.
تُكمل:مهن الناس عناوينهم..انظري من يعمل نجاراً أو حداداً كيف يتطبّعُ بطبعِ الخشب أو الحديد، فهذا يحترقُ بالنار..و هذا يلينُ بها! ،ما الفارق بين الدكتور و سائق التاكسي؟ أصمتْ مُنتظرة الإجابة..فتزغدني في صدري قائلة: "مخك صغير و صدرك كبير"، ثم تضحك في صخبٍ، أضحك لروقانها و للسُبّة المُعَجِّزة..التي لا تدري أهي مدحٌ أم ذمْ..تُكمل و هي تلف سيجارتها:الفرق بينهما عيونٌ تلقط الشاردة و الواردة،يتمتع بها السائق، بينما الدكتور ..أذنٌ تلتقط جميع أنواع الأصوات و تميّزها، بغباء أتساءل: ما دخلُ هذا في قراءة العيون؟ تقول بحذقٍ و هي تمرر لسانها لتلصق السيجارة و ترميني بنصفِ عين: الدكتور يحبُّ بأذنيه أولاً، و السائق يحبُّ بعينيه أولاً.
رغم غبائي في كل الدروس التي تلقيتها و محاولاتي الدائمة لتسجيل ما تقوله كتابةً و قراءة و تحويل الكلام إلي أبجديّات،إلا أنها في أوقات الصفاء..تجلس معي علي القهوة،لا تسمع أخباري، و إنما تنظر في عينيّ ،تظلُّ كذلك حتى أنظر للناحية الأخرى و تهطلُ منهما الدموع،تبتسم و تطلب لي حجراً آخر من الشيشة و قهوة.
في مرة،سألتها عن حبيبي،فلم تجب بشيء و قامت من أمامي لتدخلْ إلي ضريحِ السيدة زينب و غابتْ هناك،حتى داهمني موعدٌ فذهبت و لم أرها،و تكرر الأمر في مراتٍ عدّة،كنت البنت الوحيدة التي لا تقرأ اسمه في عيني و تخبرني عن لون جواربه المفضّل،حتى توقفتُ عن السؤال.. لا عنّي ولا عنّها.
هذه المرّة.. قابلتها في الصباح،ذهبنا في جولةٍ في مصر المملوكيّة،بدأنا من الخضيري مروراً بشارع الصليبة ف طولون ف سبيل أم عبّاس فقصر الأمير طاز و حتى السلطان حسن و الرفاعي ، وقفنا أمام المئذنتين صامتتيْن..رأيتُ عينيها تترقرقان بالدموع..أدارتْ وجهها ناحيتي..و لأوّل مرّة ..تَهَجيْتُ ماحدثْ ..في عينيها.

photography by:Mohamed Fakhry

Thursday, August 06, 2009

ليستْ عينيه..أجملُ ما فيه.




تركتُ قلبي جانباً و اتكأتُ برأسي علي صدرهِ، فسألني:كيف ترينني منذ سبعةِ آلاف عام؟ قلتُ: حكيماً كآني..أو تحملُ اسماً في آخرهِ يلْمعُ قرص الشمس ، قال: ماذا؟ قلتُ: فيك منها، كأنّك "رعْ"،لا أدري كيف..ولا تسألني لأني لا أحبُّ الإجابات من قبيل :"انك مَشاع،و انك تمنحُ الدفء" حتّى و لو كان لكوكبٍ آخرٍ لا ذنبَ له في الاعتمادِ عليك..سوى أنَّه وثَقَ بقُدرتِك علي إضاءته لمدة اثني عشْر ساعة ًمن اليوم.

ليستْ عينيه،أجملُ ما فيه..سئمتُ من ينظرون لصورتِهِ في المرآة، كأنّهم علي موعدِ مع الخالق، أو كأنّهم لا يتوقعون منه أكثرَ من ذلك
.
شيءٌ آخر كان يجعلني أبتسم،كلّما نظرتُ له..أحس بخجل البدايات! .. أنّي أشدُّ خجلاً من العذراء في خِدْرِها ، لمجرّد انه ضغط علي
يدي ،أو لمُسُ ذراعي و هو يتحدّث، كنت أديرُ وجهي للناحيةِ الأخرى و أنا أبتسم،غير مصدقةٍ ما اشعرُ بهْ ،ولا مستوعبةٌ لجِدَّتِه- علي كثرةِ ما اختبرتُ من مشاعر-تظلُّ لمْسَتُهُ بِكراً.

ليستْ عينيه،أجملُ ما فيه..سئمتُ من ينظرون لظلِّهِ علي الحائط، فيُدهشون و تأخذُهم السّكرَة،أو يرحلون نادمين علي ما فعلوا.

كان فيه عادةٌ جميلة، عندما ينظرُ إليك طالباً استفساراً أو إفشاء سر..يحني رأسه و يمدها للأمام قليلاً..و يرفع حاجباً متسائلاً و نصف ابتسامة لتُغريك بالحديث،و كان يُغْريني..و كنتُ أتحدًّثْ.
علي قدر هذا الليل كان معي، كان متواجداً حاضراً بنفسهِ و روحهِ و صورتهِ في المرآة ، و ظلِّهِ علي الحائط ، رائحة جسدهِ ، و ثنايا قماش
قميصه المعبّقِ برائحةِ سيجارته..كان حاضراً..و كان لابد من اكتمالٍ جميلٍ بَهيّ..و قربٍ مُروِّعٍ..ليكون سبباً للبُعْد.
صدقوني..أنا عرفتُه قليلاً..و أحسْسته إلاّ قليلا..
لم تَكُنْ عينيه..أجملُ ما فيه.




phtography by: Steve MaCcurry