RSS Feed
و أنا..أنا..لا شيء آخر

Thursday, October 29, 2009

و يَنْساني..



رأيْتَنِي في العِلْم،أسافرُ على شيءٍ ما ؛ لأصِلَ إلى مكانٍ ما،مكانٌ مُبْهج هُوَ ..و في رُوحه ما يدلُّ على أنه سيستمر هكذا أربعين عاماً و شهرين و يومين،أصلُ للمكانِ الذي لا أعرفه - و إن كنت –كالعادة-رأيتُهُ في مكانٍ ما آخر- و أترجََّلُ عن الشيء ما لأدخل من بابٍ ما،أدخلُ فأغرقُ في البَيَاضْ،أفكِّرُ كيف كان اللون الأسود..أسوداً حقاً؟ و أستغرب..ربما لم يكن هناك ما يُسَّمى هكذا سابقاً.


المكان يَخْتفي و البياضُ يَسْطع، أنتقل إلي مرتبةٍ أعلى و أوضح..الحروفُ أمامي..أراها أمامي في كامل بَهائِها و عِليائها،تطيرُ فتكوِّن كلمات،و تطيرُ الكلمات و تتعانق لتكوِّن جُملاً،بعضها يكُون الاسم،و البعضُ الآخرُ لا مكان له في الوَصْفِ فيفعل،أرى الفِعْل أمامي ،و أراهم جميعاً مُتَّحِدين فيه كأنَّهم واحدٌ لا يتجزّأ و كُلٌّ لا يَنْفَصِم، ،الحروف تبدو جوعى و سوداء اللون، و لا شيء هنا يسُدُّ الرمق،ماذا تأكلُ الحروف الآن غير قلبي؟ لا شيء ..آخذ من قلبي لأطعمهم ..حتى أعْطِيهم إيّاه كاملاً..لا أريده و لا أريد أكثر من بِضْعة حروفٍ تكوِّنُ كلمات،تُكوِّن جُملاً..ليكتمل المعنى ،و أراه أمامي واحداً أحدا..فأعرفُ الطريق التي سأضيعُ فيها وحدي.

لم يكن في العُمر الكثير من "العِلْم"،كان هناك -بطبيعةِ الحال- كثيرٌ من الحلم،فلتَكُّفْ الحروف عن مُراوغتي إذاً،أهديتها قلبي لتأكلُه ،و روحي لتشرب منها،فلتكفْ حروفه عن طردي من جنتها كلما عَنَّ لها،كأني آتيتُ شيئاً نَكِرا.
الحروفُ سوداءُ اللونِ و اللُّغةُ تتلوّن بمشيئتها،و الخط محايدٌ تماماً لا يَعْترف بالأضداد و لا بالمحاسن،و الدَّمُ –دمي- أحمرُ اللون،و القلب-قلبي- اختلطتْ فيه الألوان حتى صار لونه مؤجَّلُ التسميةِ ليوم القيامة،لم يكن آدم يعرف ،فلن نعرف الآن.

وصلتُ للحافّةِ المُقدسة،فأخلع نَعليّ،أمشي علي لُغته حافيةَ القدمين،أستمتعُ بملمس النِقاط و الحروف،تعْثُرُ أصابع قدميّ في نقاط الثاء،و تُدميني سِنان السين،و تجرحني ملوحةُ البحر في حرف الحاء،و يَبْتلعني نُونه و يَلْفِظُني،لأضيعَ سنين في تِيهْ الهاء،أخرجُ منه لأنزَلِقْ على الراء فأراني في مواجهة العين،أغضُّ الطَرْفَ و أهرب،فأصطدم بصرامةِ القاف و سهم الألف،أموت خوفاً فأرتدُّ بظهري و أجري فيلحق بي الضاد و الميم و التاء المربوطة ،يحتضنوني و يهدِّؤوا من رَوْعي،فأهدأ..أهدأ و أستكين،اعتدل في جلستي على الزاى..و أرى الدال تُضَمِّد قدمي التي جُرحتْ بحنو،و أرى الياء قادمةٌ من بعيد تحملُ وعداً بدواءٍ للقلب المُرْتجف،الباء و اللام و الغين و المد يتساءلون؟ ألم تكبري بعد يا صغيرتنا؟ لماذا يهزمك الخاء و الواو و الفاء الآن إذن؟!


لا أملك الإجابة،و قدميّ لازالت تُؤلمني من المشي على حروفهِ الحادةِ المُوجعة،كما الهربُ من حروفهِ القاسيةِ المُرْعِبة،يُراودني النون عن نفسي بعد أن لَفَظني و كنت أريد أن أظلَّ نقطةٌ فيه للأبد،يقنعني أنه لم يكن يقصد،و أن النون يختلفُ باختلافِ القمر..و أني قمرٌ يختلف،فلتكوني نقطتي و ملكي و حدودي،و مدٌ أهربُ إليه كلما اشتّد الجَزْر،و عينٌ أشرب منها كلما زاد المَلْح،أتوه مع النون،يُغْويني عن بقيةِ الحروف،و يُنْسيني كامل لُغته و ما فعلته بي،شيءٌ كأنه الخَدَرُ يسْري بأطرافي ،أشعرُ بالنون بكامل ثُقْله علي جسدي،ثم يَلُفُّني و هو يُقبِّل قدميّ الدامِيتان ،حتى أفقدُ الوعي في أحضانِه.


أفيقُ..بيدي ديوانه المُغْوِي،ابتسم لرُوحِي..كم يكتُبُ الشِّعْر جَميلاً..و يَنْساني..

photo by:Sayed Dawoud

Friday, October 02, 2009

ستة أحلام كهذهِ تكفي.


حسناً..في الحُلم الأوّل كنتُ أرى كلُّ شيء، و أسمعُ كلَّ شيء، و أحسُّ كلَّ شيء..المشاعرُ صلبةٌ و حقيقية حتي تكادْ تلمِسْها بيديك،و تُشكّلها كيفما تشاءُ بقليلٍ من الماءِ المُضاف إليهِ ماءَ الورد،الأشجارُ و البنايات و الناس و الشوارع ..كل هذا و أكثر.. كان موجوداً فعلاً..حقيقياً ..باسمهِ و صفتِهِ و كاملِ حُضوره و تكوينِه.
في الحُلم الثاني..بدأتْ الصورة تهتزُّ قليلاً..لم تعدْ الحواس بكاملِ عُنفوانها كالسابق..بدأتْ حاسةُ الشمِّ في الاختلال أولاً..لم تعدْ روائحُ الأشياءِ كما كانت..داخَلَها شيءٌ ما لا تَدْري كَنْهُه، مهما حاوَلتْ وَصْفهُ لن تستطيع،و هذا ليس نصاً أدبياً كي أُحاول الإمساك بصورٍ بَليغة و إيضاحْ معاني مُسْتترة،هو شيءٌ أصابَ الروائِحْ..فلم تَعُدْ كما كانت..و فقط.
في الحُلم الثالث..انتقلتْ العدوى إلي الرؤية..لم تعدْ الأشياء كمُسمياتها..لم يعد ممكناً أن أشيرُ إلي قِطةٍ تَسيرُ في الشارع ،و قطةِ كتابِ القراءة تحت حرفِ القاف،هناك شيءٌ مُختلف بين الاثنتيْن..لم تعد الأشياء مثلما هي في كتابِ القراءة..تغيّرت صورةُ الأشجارِ و الوُرود و القطط و الأطفال و البحيرات الصغيرة التي يصنعها المطر و الليالي الخريفية و ورق الشجر المتساقط و ساعة الميدان و علامات الشهور في نتيجة الحائط..كل هذا تغيّر و لم يعد يَشْبه صورتِهِ في كتابِ القراءة.. هذه ليستْ قصيدةً لأختصر المعنى في جملةٍ من ثلاثِ كلمات،أو أختزل الصورةُ المهتزّة في تعبيرٍ رفيعِ المُستوى،هو شئٌ أصابَ الرؤية..فلم تعد كما كانت..و فقط.
في الحُلم الرابع..بدأتُ أقلقْ علي حاسّةِ السمع..فطفقتُ أسمع كل الموسيقى التي تَطالها أذناي،و أكلّم الناس لاسمع أصواتهم المختلفة و أميّزُها،و أُلقي بالشيءِ على الآخر لأنصتُ لصوتِ الارتطام،و كنتُ أسمعُ و أميّز فعلاً..و لكن شيئاً ما في رنّة الأصواتِ التي تخرج من الأشياء..أو التي تصدرُ عن الناس..لم يعدْ كالسابق..ربما هو الإيقاع..ربما هو اللحن..ربما النغم..لا أعرف..ظلّت الموسيقى علي حالها و اختلف كل شيء..و أنا لا أؤلفُّ لحناً الآن لأحافظُ علي دقّة العلامات..هو شيءٌ أصابَ الأصوات..فلم تعد كما كانت..و فقط.
في الحُلم الخامس..جلستُ علي الرصيف في البدايات..لكى أحصِرُ ما تبّقي لي من الحواس..فوجدتُ في يدي فجأةً قطعةً من الشيكولاتة،فتحتها بشغفٍ يليقُ، و أكلتها كلَّها،بينما كنتُ آكلها،استمتعتْ جداً..و حالما أنتهيتْ؛ أكتشفتْ أنه لا طعم لها!..هكذا! بلا أي مبررات ولا حيثيات للقرار ولا تحذيرات مسبقة"انتبهي،ستفقد الشيكولاتة طعمها بعد قليل"لم يقل لي أحدٌ ذلك..لمحتُ رجلاً يمشي مُسْرعاً علي الجانبِ الآخر..قلتُ كل شيءٍ يفقدُ طعمهُ إلا قبلةٌ مُفاجئة..ذهبتُ إليه..فقبلني و لَعَقْ شفتيّ و نظرَ في عيني و مضى،نظرتُ في عيني فأكتشفتْ أني لم أشعرُ بمذاقِ القبلة،و لا أتذكّر طعم ريقه!..يا للنهارِ الغائم..أنا لا أصنعُ الحلوى الآن كي أهتّم بالإضافات ..هو شيء أصاب طعم الأشياء..فشابَها شيءٌ من المرارة و أشياء أخري لا أعرفها..فلم تعد كما كانت،وفقط.
في الحُلم السادس..أصبحتُ كالعاجزِ لا أملِكُ إلا احساسي المشوّش بالأشياء و الأشخاص..دائمةُ الدوران في حلقاتٍ مُفْرَغَة : كأن أمشي في شوارعٍ مُتشابهةٍ تَؤدي إلي بعضها في نهايةِ المطاف،اختلفتْ الرؤية و الروائح و الأصوات و الطُعوم..حتي الإحساس تكدّر بدرجةٍ مُزعجة..درجة محايدة عاهرة جداً..تلعبُ بأعصابك..فتارّةً تشعرُ أن احساسك في أوْجهْ،و الأخرى تشعرُ أنّه لا شيء..الاحساس هو أهم الحواس في نظري..عندما تبدأُ حواجزهُ في الارتفاعِ فهُنا الخطر..و احساسي حواجزهُ ارتفعتْ امام البحر شخصياً في الحلم السادس،و هذا لا يبشر بخيْر..فقلتُ في نفسي:أنا لا أكتبُ نصاً أدبياً أو قصيدةً أو أؤلف لحناً أو أصنعُ حلوى أوحتى أرسمُ لوْحة ..أنا أحلمُ لعلّي أجدُ طريقاً يُناسبني..و عندما جلستُ علي الرصيف في النهايات..وجدتُ القمر ساطعاً وحده..و يشبهُ صورته في كتاب القراءة تحت حرف القاف،و ووجدتُ وردةً بيدي رائحتًها تكاد تسكرني،و سمعتُ اللحن المميّز لدخولِ كارمن على المسرح كأنها تخْطُرْ امامي،ووجدتُ طعم ريقهِ في فمي فجأةً حتى أكادْ أصفهُ للمارّة..و عندما بدأتُ في الارتفاع عن الرصيف..عرفتُ أنّي وجدتُ الطريق.
Photography by: Ahmed Magdy Ahmed