RSS Feed
و أنا..أنا..لا شيء آخر

Wednesday, September 26, 2012

عن فِقه الدلع..


أرخت الستائر و أجلسته في حِجرها، فاستنطقها :خبريني عن الدلال يا صبيّة ؟
تنهدّت :عن السلف الصالح أنهم رووا في الأثر..عن مقامات ضاعت في طريق العقبات و الحُفَر.. لأنهم لم يكونوا علي علم بوجود ما يسمى الدلال أو الدلع..
ابتسم..فانبسَطت قائلة:
أصل الدلع اسم مؤنث عربيّ سمّوا به علي الدلال و التحبب
كما أن الدلع أشد وطأة من الدلال.. و لعله أشد وطأة من الحب الذي عرّفوه و لم يعرّفوا الدلع!

فسألها و كيف ذلك؟
قالت: الدلع - أعزّك الله - مختلف في وصفه و فعله ،لا تجد اثنين يتفقان علي عمل واحد في باب الدلال و التغنّج،و من عجائب الأمر أن ابن حزم الأندلسي لم يفرد له مساحة،و هو الذي كتب ما كتب في الأُلفة و الأُلّاف،
أصغره فذكره في باب الهجر ..علي سوء الوقع! ثم أسماه هجرٌ يوجبه التدلل.. و رغم أنفه عرّفه بأنه هجر ألذ من كثير الوصال.. علي حلاوة الوصل! و لا يكون إلا عن ثقة كل واحد من المتحابين بصاحبه و استحكام البصيرة في صحة عَقِده و كفى!

فقال و هو يشبك حلقاً في أذنيها الصغيرتين..و من يُخالفه؟ 
 أخذت نفساً طويلاً و ردّت:يعاكسه تاج العروس و يقول أن الدلال إفراط !..أَدَلَّ عليها : وَثِقَ بمَحَبَّتِها فأفرَطَ عليها 
فالدلال يا حلو قد يكون الفعل و ضدّه..و علي العاشق الفهم و الإفهام. 

اعتدل و هو يمسّد بأصابعه رقبتها بحركات دائرية بسيطة و مفجعة..و كيف الدلال بلا هجر؟
ستري الدَّلُّ  ،منه حلو الكلام و الهزار في موضعه و الريق المعسول و سحق الملل.
فسألها مجدداً و هو يصب لها كأسا من نبيذ أحمر لم تطلبه ، قرّبه من شفتيها : أين يقع أحبَّهُ إلى النساءِ؟
في الحضن و قرص الخصر و إمساك الجوانب، و يقول مولانا سلطان العاشقين ابن الفارض ما إن كنته ; كُنت المفتاح : باذل روحه في حب من يهواه ليس بمسرفِ..

فقال و هو يمسّد كتفيها بشفتيه و يقّبل جسدها كاملاً بهدوء يحسد عليه:

-ماذا عن القُبل؟
-علمٌ ما بعده علم
 
- و عبادة أصابع اليدين و القدمين؟
- بابك إلي الجنة
 
- و اسم سميّتُكِ به و لم يسّمك به غيري؟
- وعد الياسمين الذي لن تشفى منه أبداً

تقول الأسطورة : أن رجلأ بدأ بلمس رقبة صبيّة من خلفها فتفجّرت شلالات من الماء المائل إلي الملوحة ، و تكوّنت البحار السبعة

كما لم يكفه ذلك .. عانقها من خلفها و سَرَت أنفاسه في شعرها فزُلزت الأرض و استقرّت القارات السبع

فزادها و حملها أياماً مدندناً ترنيمة قديمة لا يعرفها أحد..
فأغمضت عينيها و استندت إلي صدره..





Sunday, September 09, 2012

مع قُبلاتي ..



لم تسألني هذه المرة..و لكنني سأحكي لك:
هناك سرداب يمر من تحت منزلي،حتي يصل إلي النيل..بابه تحت فراشي ..بابه ضيّقٌ جداً..لا يمكنك المرور منه إلا إذا كنت بحجمي ..يمكنك إنارته بضوء الموبايل،و السير فيه إلي ماشاءالله، أو السير فيه لمدة نصف ساعة..تعرف..يمكنك رؤية كل ماحدث في حياتك علي جدرانه..و يمكنك أن تنسى هناك كل شيء..السرداب يبدو في أوله صخرياً..ولكنه سرعان ما يستحيل كفقاعة صابون كبيرة تتنازع عليها ألوان قوس قزح في صراع للسيطرة و البهجة.. أصل الحكاية..أنّه في عمق السرداب..في الجانب الرطب منه تحديداً..أملك معرضاً صغيراً للقبلات المحفوظة..
توجد به كل أنواع القبلات..يتم تعبئتها في برطمانات زجاجية، برطمانات ال"فيتراك" هي الأقوى و الأكثر صموداً لأشد أنواع القبلات مقاومة – نعم، فالقبلات تقاوم عملية حفظها بشراسة - بالتالي فهي جيدة لحفظ بقية الأنواع..تم إختبار عدة أنواع من الأوعية الزجاجية قبل أن أصل إلي هذه النتيجة.. كم تجرحت يداي إثر حادث،برطمان ضعيف لا يحتمل قبلة بعد سفر..أو برطمان لا يغلق جيداً فينفجر من قبلة شوق..برطمانات فيتراك هي الأفضل لحفظ القبلات من جميع الأنواع..أعتقد أن الأمر له علاقة بصناعة الزجاج نفسها..ربما هناك من لازال يضغط علي أزرار الماكينات الآلية بشغف..
قُبلة السفر تأتي في مقام العشق..لقاء الحبيبين بعد فترة بعد طويلة يأجج الشوق و يجعل قبلته كأنها تشفط روحك و تعيد بعثها في روح حبيبك مرة أخرى..تحتاج للكثير من عصير التفاح حتي تستقر- كما كان طعمها تماماً - في برطمان زجاجي..
قُبلة الإعتراف بالحب هي الأسوأ..لا يمكنك حفظها بسهولة لأن كثيراً من عنفوانها يتبخر أثناء عملية الحفظ..أضف الكحول و القرفة و رائحة المسك مع أوراق الياسمين و بعض زيت كبد الحوت،و رغم كل ذلك يختلف طعمها في البرطمان عمّا كان..للأسف لا توجد حلول علمية حتي الآن لهذه المأساة..
قُبلة الإعجاب ..رقيقة و هادئة..سهل حفظها كما هي خصوصاً إذا لم يشوبها إدعاء..و إن كانت أحياناً تتطلب بعض مواد الحفظ المصنعة كيمائياً للإبقاء علي رونقها مع مرور الزمن..
قُبلة الرغبة..مجنونة..تتقافز دائماً و تريد الخروج من البرطمان..تحاول ألا تخضع لعملية الحفظ و أن تخرج ،تطير ،ترى العالم ..تفاعلها مع مواد الحفظ ضعيف للغاية..فقُبل الرغبة تختلف باختلاف الطرفين ..الرجل و المرأة..و ياللعنة لو كان رجلاً يجيد التقبيل..أو امرأة ذات شهوة متأججة..و لكن مصبوب الشيكولاتة الخام الداكنة،مع بعض الكحول الأبيض ،قليل من الفلفل الأسود..يمكنهم السيطرة علي مقاليد الأمور..
و هناك قُبلة فنية..نوع يثير إعجابي شخصياً..و يثير إعجاب برطماناتي أيضاً..فهو سهل الحفظ تماماً..لا يحتاج إلي درجات حرارة معينة و لا وسائل معقدة ..هي خطوات مدروسة جيداً..تكنيك يمكنك الإمساك بكل لحظة فيه و تفسيرها تفسيراً منطقياً..هناك رجل أمضي وقتاً مع "كيف تتعلم التقبيل في عشر خطوات بدون معلم " أو امرأة تعرف ما تفعله جيداً..و هذا النوع يكفي وضعه في بعض الماء المخلوط بالسكّر ليستمر أعواماً مديدة بنفس قوة الأثر..
قُبلة الواجب..هي أبسط هذه القبل و أكثرها قابلية ..بطبيعة الإنسان فهو يعرف كيف يصب علي حزنه و إحباطه سائلٌ مثبّت سريع المفعول ، طويل الأمد ..عند خروجها من البرطمان طعمها يميل إلي الصبار قليلاً..و لكن من قال إن الروتين يباع في قسم الحلويات الشرقية؟
قُبلة الإستكشاف..المرة الأولي التي تقبل فيها إحداهن ..فتحاول أن تكون رحيماً و في نفس الوقت تحاول حساب أبعاد شفتيها..تختبر شعور شفتيك علي بشرتها..و تتذوق طعم ريقها بلسانك لترى إن كان سيكون طعمك المفضّل فيما بعد أم لا..عسيرة علي الحفظ..و لكن العلم تَقدّم في هذا المضمار..بعضٌ من عصير البرتقال مع حبّة من البُن الطازج تكفي لحفظها شهوراً ..
ماذا؟ هذا البرطمان المفتوح ذو العلامة؟ حسناً..هناك نوع لم أخبرك به..أو لم أخبرك به بعد..
لا أعرف ما اسمه..و لكني سأصفه لك:
أغمض عينيك حالاً..هناك في آخر القرنية و مع بدايات فجوة المخ حلبة رقص واسعة..زحام من البشر..أنت ترقص مع بنت..و بنات يرقصن مع رجال..تصطدم في بنت بعينها مرة و أخرى..تتلاقي نظراتكما في أولى لكما و ثانية عليكما..يحتدم الرقص..تتساقط الأزواج انسحاباً أو تعباً..لا يبقي غيركما في الحلبة ..تقتربان بنفس الخطوة..تنظران في أعينكما نفس النظرة..لا تزيد المسافة بينكما عن سنتيمتر..تكاد تشعر بدقات قلبها علي صدرك.. تكاد هي تتنفّس رائحة سجائرك ..
تتلامس شفاهكما بشكلٍ خاطف، ربما أرنبة الأنفين كذلك ..تتصاعد الموسيقي و تتحول دقات القلوب إلي طبل و مؤشر الرغبة يوشك علي الإنفجار.. فجأة يسود الصمت و يختفي المشهد!
 هل تعرف ما اسم هذا النوع؟ و الأهم..كيف يمكن حفظه .. إن كانت برطمانات الفيتراك لا تتحمله؟

بيكاسـو: القُبـلة (1969)