RSS Feed
و أنا..أنا..لا شيء آخر

Wednesday, October 29, 2014

هيَ الأيّام ..




هيَ الأيام مرّة أخرى، بقلب فارس مهزوم – ربّما لأنه كان يبحث عن الحقيقة – أعودُ إلى الصفحات التي تحمُل تاريخي، أعود إلى التاريخ، أتأمل شكل الأرقام مع اسم الأيام والشهور، رقم السنة، أضعهم بجانب بعضهم البعض وأفرُطهم بعيداً مرّة أخرى، مرّات..مرّات كثيرة.. أعيد ترتيب التواريخ كما أحّب..لم يُعد ممكناً الآن أن أعيد ترتيب التاريخ كما أحب..


ما الذي يُصيبنا في صباحات أيام كهذه؟ أيّ ثقل كونيّ يحطُّ على قلبي المسكين، لم يعُد يكفي تلمُّس الحوائط بأطراف الأصابع حين نمر من الأماكن التي نحبّها .. ولم يعد يكفي أن ننظر في أعين من نحبُّهم كثيراً .. أفعل هذا الآن فأوشك على البكاء..


للبُكاء قصةٌ أخرى.. أنا أكتب البُكاء، أصرخ البكاء، أتحدُّث البكاء، أسمُع البكاء..لكني لا أبكي أبداً.. مالذي أخذه مني هذا البلد لينتهي البكاء في داخلي؟ إلى أين ذهبت الدنيا ودمع العين يسبقها؟

أفيق والخنجر في منتصفي، وفي منتصفه، أنظر إلى يدي، وأنظر أمامي.. فراغٌ فسيح، لا أحد .. تخترقني أصوات الزحام، تخترقني أصوات السيارات، تخترقني أصوات الهتافات، تخترقني أصوات الباعة، تخترقني أصوات الحشرات، كُل هذه الضجة، لا أحد..فراغٌ فسيح.


قلبي لا يسَعُ الجميع، والعالم لا يسَعُ الجميع أيضاً .. أين أخبئهم إذن؟ أين أذهب بهم؟ 

خطرٌ يحدِّق بالساعات، يُحدِّق بالأيام وبالتواريخ التي أحّب ترتيبها كما أحّب، يزحف عليّ ليلٌ مُدلَهم شديد الوطأة كنوى عشر سنين بين حبيبين قُدّا من روح بعض.


من أنا حتّى أخاف؟

Friday, October 24, 2014

في قلبِي..


في قلبِي كونٌ صَغِير، بلادٌ على صِغَر قلبي تتَّسِع، لكُّل التفاصيل اليوميّة وأحاديث الهاتف الطويلة، للخناقات الصّغيرة، ولأيام الخصام التي تليها، للأغاني القديمة التي نُحبّها سوياً، وللأفلام القديمة التي يسْخَر من تأثرُّي بأحداثها كأنيّ أراها لأوَّل مرّة، للصفاء وخُلوَات الهرُوب من البَشر، لأيام الصّمت ونظرات العيُون المُبتَسمة، ولكُل لحظة في حياتنا سوياً.


لحظاتُ الصحو الأولى من النوم، حين أفتحُ عينيّ على وجهه أمامي، غالباً ما أستيقظ لأجدُه ينجُز عملاً سريعاً قبل بداية اليوم العاديّة، لحظاتُ الإقناع بتناول إفطار حقيقيّ، ولحظاتُ الهروب منّي على السُلّم، حسناً ..هذا سيتغيّر في الواقع..


في قلبي كونٌ صَغِير، تُشرق الشّمس فيه بكلمةٍ منه، وتغرُب بأخرى، أيام الأجازات تبدأ حين ينظُر في عينيّ طويلاً، ثم يقترب.. وأيام الشقاء تحل حين يُدير ظهرهُ لي غاضباً، تهتَز الأرض بزلازل نبرة صوتِه العاليَة، مُجرّد التوقُّع لأن نبرة صوتُه سترتفع بعد قليل، تُصيب جبَال قلبي بالهلَع، فيهرع السُكّان إلى المخابئ، وتُغلق المحلات أبوابها، وينتشر هدوءٌ مُترقِّب في شوارع القلب، انتظاراً للحظة التي سيقول فيها "إنتي عملتي كده فعلاً؟"



في قلبي كونٌ صَغِير، تجرِي الأنهار فيه وتفيض حين يلمسني، وتُمطر الدُّنيا حين ألمسُه، فتخضّر الأراضي وتُثمر الأشجار وتتفتَّح الورُود، ويندفع الأطفال للِعب في بِرَك المياه التي تكوَّنت إثْر المطر، وتخرج النساء إلى البلكونات للاستمتاع بحلاوة الجو، وينزل الرجال إلى مقاهِيهم المُفضلة متقافزين بين بِرَك الماء وطين الشوارع، وما إن يستقرّوا في أماكنهم، حتى تُمطر عليهم مجدداً، وتفيض أنهار قلبي لتُغرق مُدُنهم الصغيرة بالخير.



في قلبي كونٌ صَغِير، تتشعبُ التفاصيل فيه دوماً، وتسِير الأقدار في طُرُقٍ مُلتوية لتَصِل إلى مُستقرِّها الأخير، قد تكون الظروف قاسِية على أهلهِ أحياناً، لكّن التفاصيل دائماً ما تتراكمُ في صالِحه، والقَدَر في النهاية عِنْده، والظروف القاسية..تنتهي..

 في قلبي كونٌ صغير، هوَ ربُّه.

Thursday, October 16, 2014

عَلَى سَفَرٍ


"تسأله الياء في اسم يُونس، إلى متى نحنُ في باطن الحوت؟
وتسأله الزاي في اسم زكريا، أيُّ حنانٍ ينقصنا لنكون معاً؟
وتسأله الباء في اسم أيّوب.. لمَ نصبر أكثر؟
وتسأله السين في اسم يوسف.. أيُّ جمالٍ بيننا ونضيّعُه؟
وتسأله الميم في اسم مريم..

بحق الحُب لا تبتعدْ."

في كثير من الحكايات، يبدو السفر بداية مناسبة للحكاية.. وأنا كحكاية تنْفرِط أحرفها على المرايا، لا أعرف دائماً من أين أبدأ، فجأة أجدني في منتصف الحكايات، في منتصف الوقت، في منتصف الشوط الأخير قبل النهاية، هذه المرّة.. وجدت نفْسي متأخرة كثيراً، وجدت نفسي على الحافّة..

تنفرُط مني الحكاية دون أن أرغب في حكايتها، عنقود عنب كامل التكوين في يدي، لكّن حبّاته تسري على المعصم،  على المعصم، وعلى جسدي، تدخل في ثنايا الملابس اليوميّة، وتتسلل بعضٌ منها إلى حبّات العرَق، فأجد فرطاً من العنب على سريري، وعلى وسائدي، أصافح حكايتنا في أيدي الأصدقاء وفي سلام أصحاب السبيل، وأجد عناقيداً في المقاعد الخلفية للسيارات، وأزرع أخرى على كل طُرُق السّفر.
"وتسأله الميم في اسم مريم..

بحق الحُب لا تبتعد."

تنفرط حبّات العنب إلى حروف، حروف تذهب إلى مكانها المفضل على الصفحات البيضاء، تريد أن ترى لها مكاناً في قلبه أيضاً، حروفي تريد أن تكون حكايته المفضلة، تريد أن تصبح سطراً في أغنية يُغنّيها، أو شعراً يُردّده، حروفي تريد أن تكونه، أن ترسم شكل وجنتيه وشفتيه، أن تَبسِط عقْدة حاجبيه، وأن تردد صدى ضحكته..
تزور حروفاً أخرى حَفِظت لمسته..وحروفاً أخرى كانت تدرب نفسها على الشوك قبل الورد، ثم تُلقي محبّة على حروف كانت تسجل الأحلام، تحميها من الزمن، تحميها من الآخرين..

الآخرين!

لعنة الحكايات الثنائيّة.. لعنة الحُب المملة المكرورة، الآخرين!

لعنة الحُب الآخرين.
وأنا على سَفَرٍ، وحُبّي له فرط عنقود عنب أبديٌّ كامل التكوين، لا يبرح المكان لكني أرى أثر خُطاه في كل الأماكن كأصحاب الكرامات، أبديٌّ كأن الزمان توقّف عنده، ومستمرٌ كأنّ الزمان إلى ما لانهاية.


كنت على سفرٍ حين انفرط العقد منّي أوّل مرة بين يديه، أحببت السفر، تلك اللحظة التي غلَب فيها حنانُه خوفي بقُربٍ لا يخطؤه القلب، أيّ عشقٍ خرَجَ من قلب النيل هناك، ليُهدهِد خوفي كما فَعَل؟ أيُّ حُبٍ فاض من رُوحي لأتحدّث وأتحدّث وأحكي وأحكي.. كأني كنتُ أحكي له دوماً، وكأنه كان يُهدهِد خوفي على ركبتيه منذ ولدت.


"وتسأله الميم في اسم مريم..

بحق الحُب لا تبتعد."

كنت على سفرٍ حين اكتشفت أني أكتب عنه كثيراً، كثيراً جداً.. وأني أكتب عنه بوحي صافٍ لا تتخلله "الصنعة" أو "الحِرفة"، لعبة الكلام، تُضيف هذا إلى ذاك، وهذه الجملة إلى تلك، وتبدأ بهذا وتنتهي بذلك، فيكون لديك نصاً مُتماسكاً قويُّ البنية، كان يعجب الناس والصفحات الفارغة، لكنّي وحدي كنت أعرف الفرق.

"وتسأله الميم في اسم مريم..

بحق الحُب لا تبتعد."

 كنت على سفرٍ، حين عرفت أن حياتي معنى لا يكتمل إلا به، وأن "أنا" ليست إلا " نحن" تنتظر الحدوث، وأن جَمَال ما بيننا، كجمَال هذه اللحظة التي أكتب فيها عنه سِلسالاً، وهو أبعد ما يكون عني، لكنّه أقرب ما يكون لرُوحي، جمَالٌ لن يتكرر.