RSS Feed
و أنا..أنا..لا شيء آخر

Sunday, November 29, 2015

مكانِي القديم

 كَم قطعنا من الأميال سيراً على الأقدام حتّى نَصِل إلى هنا؟ شيءٌ في الأماكن القديمة يُهدهد روحَك المُتعبة، ويخلَع عنك مشقّة المسير .. مشقّة الطريق.. المشي لا يُتعبك كثيراً، لكّن الطريق يستنزفُك .. ترى قطرات دمَك وتعرفها على كُل تقاطع وكُل ابن آدم وكُل ضاري، وأنت لا تتوقف أبداً لتجمعها مُجدداً .

شيءٌ في الأماكن القديمة، يُذكّرك بنفسك التي تفقدها كُل خمسة أعوام، كُل مكانٍ يحمل إليك خمسة أعوام مُغايرة، كُل مكانٍ يعرفُك من جِهة، فهذا شهِد تمام اكتمالك، وهذا شهِد غاية النقصان، وهذا احتفظ دوماً بضحكتك المُجلجلة التي تعرف أن الدُنيا قاسية، لكنّها لن تمنحها الفرصة لتنتصر مرةً ثانية.

كَم قطعنا من الأميال سعياً على رموش العين، حتّى نلمس هذه الجدران؟ كيف تحوّلت هذهِ الحيطان التي تراها لأوّل مرة في حياتك إلى مكانٍ أثير؟ كأنّ عُمرك هنا، كأنّ حُب والديك في لحظة البداية حدث في هذهِ الزاوية، كانّ صوت بكاء أختك للمرّة الأولى في المدرسة يتردّد في جنبات القاعة الصغيرة، ومن جدارٍ في غرفة الطعام يخرج صوت جوعك العابث، وتنفتح الثلاجة هذهِ المرّة على المرَح.


شيءٌ في الأماكن القديمة، يحملُك على كف الراحة، يردُّ لك دمَك، يُرمم تكوينك، يصعدُ بالأحلام، يضع الواقع في حجمه، يخلِق لك جناحين، ينزعُ قسوة الناس من قلبك، يُحبّبك إلى نفسِك الأخرى، وينُير عينيك من حيث تَظلم نفسَك، ويُنْدِي شفتيك إثر العطش.

شيءٌ في الأماكن القديمة يردُّك إليّ.

Friday, November 06, 2015

صِناعة يدوَيّة

هوَ لا يصدّقني .. أعرف هذا لأنه أولاً كان يضحك حين أخبره، حين أخبره عنّي أو عن أي شيء .. يضحك أولاً ثم يُفكّر في رد فعل تالي، كأن يستعير جُملة قرأها في الجريدة، أو يُعيد قص حكاية سمعها في سهراته مع الأصدقاء.


 كنت أهتف كالمُتظاهرين في الميادين: أنا جميلة لأنك تراني كذلك! هكذا ببسَاطة، كان يضحَك..

وبمرور الأيام .. أصبَح ينُظر لي نظرة عتاب، ثم أصبَحت نظرة العتاب نظرة خاوية، نَظرة عابرة لا تحمل معنى..
وأنا كُنت أكذب.. كنت أكذب باعتياديّة وبسَاطة، أنا جميلة لأنك تراني كذلك.. وهو كان يعرف أنني أكذب.. ربما لهذا أخذَت النظرات الخاوية أيضاً تذوي وتنطفئ رويداً رويداً ..


يديه الخبيثة كانت تعرف الحقيقة، وكانت أصابعه الرقيقة العفيّة، تمتّد إلى شفتيّ لتقلل من التجاعيد حولهما، أصابعه تفرد الجلد الرقيق حول الشفتين، فيما يُعيد الإبهام بعض اللون الأحمر إلى الشفة السُفلى .. تاركاً بقيّة الأصابع لترتاح على الرقبة .. لا مانع من ضَغطة تُقرّبني قليلاً من الكمَال ..

وأنا كُنت أفكر وقتها وأنا أنظُر في عينيه ..كل هذا الجمَال لا يراه.. هوَ فقَط صُنع يدَيه.