RSS Feed
و أنا..أنا..لا شيء آخر

Friday, July 28, 2017

"للحُب فرصة أخيرة "

نُشر هذا المقال على موقع "الحُب ثقافة" منذ عامين! وفي إطار تجديد الموقِع، تم حذفه، لكنّه عزيز على قلبي جداً، وبداية لمرحلة أحببتها وتعلّمت منها ولازلت أتعلّم وأستزيد، فها هو المقال ليجدُه من يبحَث عنه، أو عن الحُب :)

الصورة من tumblr


يقول نجيب محفوظ أن "القلب يعرف أكثر ممّا يتصوّر العَقل"، للوَهلة الأولى لا يبدو هذا صحيحاً، أيعرِفُ القلب أكثر فعلاً؟ لماذا إذن كُل اختياراتنا الخاطئة وعلاقاتنا المُنتهية وتجاربنا الصعبة؟
ما الذي يعنيه القلب حين يقول أنّه يعرف أكثر؟ أنه يشعر، يُميّز الأشياء والأشخاص بالقُرب والبُعد، والأهم يُميّزهم بالكُره والحُب، وإذا كانت الكراهية واضحة تماماً، كما قال العَرب قديماً "كأنُّه من بُغض طَلعتِه يمشي على كَبِدي"، فماذا نعرف عن الحُب؟
أهلاً بكُم في 2015، القاهرة، جمهورية مصر العربية، في وسط آلاف التعليقات اليوميّة ومساحات التواصل الاجتماعي الافتراضيّة والحقيقية، وبعد آلاف الأعوام من محاولات التواصل الفاشلة أيضاً بين الرجال والنساء، لا زال هذا السؤال يبزغ من حين لآخر: "ما هو الحُب؟" عندما ترَى علاقة بين أخيك الأصغر – لم يُنهِ الإعدادية بعد- وزميلته في المدرسة يتعاهدان فيها على الزواج، أو عندما تسير على كوبري الجامعة في يوم "عيد الحُب" المشهود فلا تكاد ترى حجارة الطريق من فَرْط "الدباديب" الحمراء، أو ربّما إذا كنتم بين الخامسة والعشرين والثلاثين، دخلتم علاقات كثيرة وخرجتم منها، فهل كان الأمر حُبًا حقاً؟
في الحقيقة هذا السؤال أرهق الكثيرين، أدباء وشُعراء وفنّانون وفلاسفة بطبيعة الحال، حاولوا الإجابة، ولكن كُلّما مرّ الزمن وتطوّرت الدُنيا عن النشأة، تتنوّع أشكال العلاقات بشكل مُذهل، فبدأ الأمر ينقسم بين الجنس والحُب، ثم الإعجاب والحُب، ثم الارتياح والقَبُول، ثم أصبحت الحياة مُرهقة وتمتلئ بالكثير لتفعله، فبدأت تظهر علاقات فقط تبحث عن الطمأنينة والهُدوء في نهايات الأسبوع.
لقد أرهقنا نحن أيضاً تعريف الحُب، جيل الثمانينات في أواخر العشرينيات من عُمره الآن، ويبدو أكبر سناً بالطبع لأن ثورات الربيع العربي – أو الخريف – طبَعَت أثرها غير المسبوق عليه، لم تُعد العلاقات بنفس السهولة إلى نفس الخانة، بعد حالة الثورة و"يوفوريا" الميادين وتحقُّق الأحلام والتوقُّعات العالية.
في مرحلة سابقة، كانت تُعرف بيننا باسم "العلاقات الثوريّة"، علاقات تكوّنت في الميدان وبعده، تأثّرت بحالة البهجة وارتفاع سقف الحُريّة ، فشلت هذه العلاقات عندما انتهت "الحالة" التي صنعتها، وفي مرحلة لاحِقة، كانت هناك علاقات تكوّنت بإحساس انتظار" نهاية العالم"، يجب أن نكون سوياً الآن فنحن لا نعرف ماذا يحدث غداً، ولم ينتهِ العالم بالطبع، بالعكس، دخل في مرحلة أكثر سواداً، وانتهت هذه العلاقات لأنها كانت أكثر هشاشة من أن تحتمل الاكتئاب المُزمن والحُروق النفسيّة والرغبة في الهجرة.
الحياة يجب أن تُعاش، أن نُحب وأن نتحَاب، أن نحاول مرّة أخرى
ثم بدأت مرحلة الحذر، الخوف من الفشل المتكرر، التقدُّم في السن، الرغبة في الاستقرار، السواد الذي لا ينتهي في الشأن العام، وبالتالي يؤثّر على مزاج المُحبّين، يؤثر على تعاطيهم اليومي معاً وعلى رغبتهم في العيش المشترك، ويجعل كُل إظهار للمشاعر هو سبب للسُخرية التي تصل في أحيان كثيرة للحِدّة.
الإنترنت، السفر، بيئة العمل الخارجة عن النّمط التقليدي، وأحلام الصعود الطبقي، كُلها أثّرت وزادت الاختلافات ومعدّلات الطلاق، ثم دخلت أنماط جديدة من العلاقات، منها العلاقات المثليّة، التي أصبح المُجتمع أكثر جُرأة في الحديث عنها مؤخراً، بغض النظر عن لهجة أغلب وسائل الإعلام في التعامل معها بالشّكل الفضائحي، فالحديث عن أمر يعني أن إخفائه لم يعد مُمكناً.
لم يعد الحُب يُذكر كثيراً في مصر هذهِ الأيّام، لكن دورة الزمن، أرجعت الأمر مرّة أخرى في سياق الشخصي، انتبه أصدقائي على أن الحياة يجب أن تُعاش، أن نُحب وأن نتحَاب، أن نحاول مرّة أخرى، رغم أن الحكايات أصبحت أكثر تعقيداً، وظهرت أنواع جديدة من التعلق بالجنس الآخر ومن الأمراض النفسيّة أيضاً ، الهَوَس، حُب التملُّك، دواعي إكمال الصُورة، الانجذاب الجسدي، وكلّها تتراوح في علاماتها وتختلط معاً.
القَلب الذي مَر بكُل ما سَبق، ولازال ينبُض، فهو بالتأكيد يعرف أكثر! الإحساس الذي نُحلّله، ونُفسّره بالعقل، نُرجع الأمر فيه إلى الشأن العام، أو نُغلق عليه الشأن الخاص، نأخذ رأي الأصدقاء، أو نفعل ما تُمليه علينا أنفسنا، نقرأ مقالات كهذا المقال أو لا نقرأها، نذهب كثيراً وفي كُل مرّة نعود، هوَ الحُب، هو بَصَر القلب الذي يُمر بكُل هذا، ويبقَى.
وهذه المساحة الصغيرة المُترددة، ستكون مخصصة دائماً لكُل ما مَر به الحُب حتّى يبقى، لنُعطِي للحُب فُرصة أخيرة. 

كتبت: وئام مختار 
المدونة تعبّر عن رأي كاتبتها وليس بالضرورة عن رأي موقع "الحب ثقافة"



Sunday, March 12, 2017

أنضَحُ بِك


لا أذكر متى كانت آخِر مرّة .. ربطُت فيها بين الصُوت ..أو تحديداً ما وراء الصوت.. والمشاعر الإنسانية المُختلفة التي تعترينا.. ربّما لم أفعل ذلك أبداً! لكنّي أحُب دائماً أن أترك انطباعاً أن كُل الأشياء فُعلت قبلاً، وانتهى زمن المرّات الأولى.

هناك صوتٌ هادِئ للتنفّس المُنتظم.. يعني أنني يُمكنني أن أنام الآن، ويُمكنني أن أرى أحلاماً جيّدة، هناك صوتٌ آخر يوازيه، يُطمئن أكثر ويدفع للنوم العميق حتّى صباح اليوم التالي.

هناك صوتُ همهمة بسيط، يُكمِل الدائرة، يضع الأفكار المُعلّقة والمتطايرة في إطارٍ مُتناسق، ويفتَحُ المجال لمزيدٍ من التفاصيل.

كذلك يوجد صوتُ همهمة حذِر قليلاً، يُهادِن لكنه يحتفظ لنفسه بخط الدفاع الأخير، يظنُ دائماً أن لديه الحل لكُل المشاكل.

صوتُ الدَندنة، علامة الحضُور، حضُور الرُّوح بمعنى أدق، حيث أنها تتجوّل بالطبع بين حوادِث اليوم وتعود، ومع المزيد من الدَندنة تصفو وتُشرق.

صوتُ الخطوة المُتمهلة، يختلف عن خبطة الخطوة الثقيلة، يختلفان عن دقّة الخطوة السريعة، وأيّام الخطوة نافِدة الصبر هيَ الأصعب.

حركاتُ اليدين أيضاً تُصدر صوتاً، رفّة الرموش، إرتفاعة الحاجبين على الجبين اللُجين، اختلاجةٌ بسيطة في عضلات الوجه، ما قبل الضِحكة المُجلجلة.. هذهِ بالذات لها صوتٌ كرفّة جناحين يستعدان للتحليق.

لا أذكر من أين أتيتُ بتعبيرٍ عن الأصوات ك "أنضحُ بِك" .. أعتقدُ أنّي في حاجةٍ لأن أقرأ أكثر.

Sunday, December 25, 2016

سِفر الطريق الذي يرَى النّيل



"كُنت دايخ
ولّا خايف أقع
ولّا باسأل نفسي لجْل المُر
اللي يتلقّاني بين الرياح
إمتى كان مُمكن يضيق البَراح؟"
فؤاد حدّاد
كُنت دايخ.. وكُنت خايف أقَع.. وكُنت على الصِراط، وكُنت في بَرزَخ، تنخِلعُ رُوحي وتحلّقُ فوق المشهد، وتتساءل: هل هذا ما كنتِ تحلمين بِه في مثل هذا اليوم؟ هل هذهِ القبضة التي تعتصر القَلب حتّى تحوّله إلى رمادٍ تذروه الرياح، هيَ نفسُ القَبضة التي أمسكَت بيدهِ تعبُر بِه الطريق؟

لطالَما كان بحرُه الأزرَق مِداداً للكلمات، حتّى تحوّل الأمر في بعض اللحظات إلى وَحي لنبيٍّ صَغير، وشُعاع شمسٍ للمشرّدين في الشوارع الباردة، وغلالة ملوّنة تحول بيننا وبين العالم البائس.

لماذا تبدو الكلمات ثقيلة الآن إذن وبلا معنى؟ كأن كُل هذا التراث من الشِعر والأغاني والكُتب والنظريّات قبضُ ريح، وفجأة.. ينسحب كل ما تعرفه إلى زاوية مُهملة في عقلك، وتخرج أسئلة لا تعرفها بإجابات لا تريد أن تسمعها، ما فائدة كُل العلم الذي نعرفه وكُل الكتب التي قرأتها وكُل المنطق الذي تشدّقت بهِ إذا كانت ستقود لهذهِ الحسرة؟ 

تتردد بعض الجُمل في أذني، واتساءل في نفسي عمّا تعنيه، هراء كامِل التكوين، وعن السياق الذي قيلت فيه، أسوأ الأيام، كأنه يخجل من ضمّة يدي ف طريقٍ صعب، وانظر إلى الشفتين في أثناء الكلام، وأقول لعلّ قُبلة تُصلح الأمر.. 

لكنّي تعوّدتُ أن قلباً كقلبي دائماً يندهش وحده، ودائماً ما تُصلح قبلة وكلمة طيّبة أموره، فيما يبدو صعباً جداً على الآخرين أن ينصلحوا من أجله، في كُل مرّة وصلتُ إلى هذا الحائط، وجدت قلبي يصطدم، كأن لا شيء يتغيّر، كأنه لا يوجد جديد أبداً، كأن كُل شيء يتكرر في دورةٍ أبديّة، أليست السعادة كما يقولون رغبةٌ في التكرار؟

لعلّني كُنت أحب، وكُنت سعيدة، وكُنت أعرف جيداً مكاني من البَحر، وكُنت دوماً أحاول أن أحفر نفقاً بيدي العاريتين في الماء المتلاطم، كُنت أريد أكثر وأكثر، وكُنتُ أنتظر، وكُنت أحاول أن أحفظ الروح والقلب في خطوط يديه، ولعل روحي تنفصل عنّي من شدّة قسوته وتعودُ ولو متأخراً، لكأنه يطرق حديداً بمطرقة! من أي جوف جحيمٍ صنع سنديانه؟!


لعلّني حين اتبعتُ حدسي وصدّقته تسرّعت، 
لعلّني أتعلّم الرحمة أكثر، ولعلّ الحُزن ينساني قليلاً، ولعل الحِكمة تأتي في صورة مزيد من التفهُّم للضَعف، كيف يكوِّن عقلَك أشباحه الخاصّة ليحرِمَك مُتعة العيش، وليمنعك دائماً من الثورة على قيودِ النّفْس، وليُعيدك دائماً إلى منطقتِك الآمنة وأنماطِك المُعتادة ..ولعلّني أعرفُ في يومٍ ما، أنه ليس كُل من يرسم لنفسِه لوحةً في عينيّ، سيستطيع أن يحافِظ على ألوانها حين تُمطِر..


كُنت أمُرُّ بجوار السيّدة وأنا أفكّر فيهِ كأنَ شيئاً لم يكُن، وأحاول أن أطرد أشباحه السخيفة من رأسي، وأتذكّر ابن عربي وهوَ يقول" الحُب موتٌ صغير".. كأنَّ الحياة توقّفت هنا ..

Friday, September 30, 2016

فليأتِ الماء! *

- على الإنسان أن يكون مُمتناً .. حينما يفتقده أحدهم في هذا العالم المُزدحم البائس المليء بالحزن والفقد والخراب.

تبدو هذه جملة افتتاحية لكتابٍ يتفلسف في شَرح أشياء بسيطة، أو لرواية طويلة عن مأساة أخرى، لكنّها في حقيقة الأمر ختامٌ ليوم واحد فقط، شعرتُ في ليلِه أن افتقادي لك يجب أن يُكافئ بشيءٍ ما، لم أفتقد أحداً منذ مُدّة وبدا هذا يستحق مقابلاً عادلاً، هل لازال الافتقاد بلا مقابل؟

كنا نمشي على ذلك الشاطيء، حين توقّفت أنا لأن شكل الرمال أغراني بتدوين التاريخ، عبثت بأقدامي قليلاً ورسمت باصبَع قدمي شكل الأرقام والحروف.. لاحظت نظرتك التي لا تفهم هذا الفِعل .. لكنني في بعض الأحيان - تفكير أناني قليلاً - أهتّم بالتدوين من أجلى أنا.. امساكاً بلحظاتي أنا السعيدة.. ربّما لا تكون هذه من أسعد لحظاتك وربّما تكون، بعد قليل ستطمِس أقدام العابرين الكتابة الطفوليّة، ولكن بقدوم الليل، ستُعيد كتابتها أمواج البَحر، هل حكيت لك عن تلك العلاقة بين الإيقاع بداخلي والأمواج؟ لا؟ رُبّما لم تلاحظ أن أوّل مرّة تأمّلتُ في بعض كلماتك.. كانت أمام البَحر..
هذهِ قصّة أخرى..
لكن الأكيد .. أن بعض وجودك يخلِق عالماً سعيداً بلا خراب ولو لفترات قصيرة، ويسلِتُ من قلبي دقّتين..


بعض هذه الأمواج السعيدة تحمِل نظرةً أحبّها، تفلت منك أحياناً حين تترك نفسَك على سجيّتها قليلاً، أو ربّما نفسَك هي التي تُصِر على الخروج والتجوال من خلال عينيك بمفردها، وتستفرد بي، وبعيني وبوجهي وبرقبتي.. أشعر بالنظرة على جلدي، ويدق قلبي دقتين زائدتين، التفت إليك فتهرب النظرة، وتتجوّل في مكانٍ آخر، لكنها تظل هناك في ذاكرتي، في ذاكرة جلدي، النظرة التي تلمس وتتحسس مسامي برقّة، وببعض الشغف المُتحرر، وتنزل بشقاوة واثقة لتطل على نهديّ، كأنّك ستمد يدك الآن لتقبض عليهما، يدق قلبي دقّتين، وأقول لن أنظر في عينيه الآن..

تأخذك موجةٌ أخرى قاسيَة، تُفلِت يدَك من يدي، أغتاظ وأمسِكها مرةً أخرى، فتأخذك مرّة أخرى، في المرّة الثانية أفكّر، ربّما تُحب أن يأخذك الموج.. فأترُك يدَك قليلاً .. لكِن قلبي يُفلِت دقّتين، وتتحرّك أصابعي بحثاً عن أصابعك، تطمئن إليها، وتسري موجةٌ أخرى من الدِفء .. فأسنِد رأسي على صدرك وأغمُض عينيّ، وأقول ..حسناً.. لن أنظر في عينيه الآن..


ما بين موجةٍ وأخرى، يغمرني بحرَك فجأة حين يُقرر ذلك! هكذا .. أستيقظ في صباحات الأيّام.. لأجد رائحتك تغرق الوسائد وتفوح من ملابسي ويُمكن فركها واستخلاصها من كَف يدي.. تبدو المقاوَمة عبثاً .. كالغَرق في ماء النيل.. هل حكيت لك عن الغَرق في الماء الأزرق الثقيل؟ لو كنتَ مكاني ستُحب الغَرق.. سيشل النيل حرَكتك ببساطة آسِرة، ستفرد جسدك، وتنساب مع الماء، ستُحب طعمه كلّما داعب شفتيك وانطلَق إلى الداخل، عذوبته لا تُصدّق، رويداً رويداً ستتساءل عن جدوى الهواء، بعد قليل ستُفكّر في إعادة خَلق عالمَك تحت الماء، وستُغمض عينيك طمعاً في ماهو أعمَق .. أزرق .. وأعمَق.. إن كُنت محظوظاً مثلي .. ستفيق لتجد نفسك هائماً بين شفتين خُلقتا غالباً لتُقبّلك ..

كم دقّةً أفلتها قلبي؟ وكَم مرةً لم أنظر في عينيك إلى الآن؟ 


أفكّر .. من أين يأتي كُل هذا الماء؟




______________________________

*سعدي يوسِف


Friday, July 22, 2016

والبَحر؟




آخِر ملاذ من حموريّة الناس .. أليس كذلك؟

طبعاً .. ويبدو آخر ملاذ من أشياء كثيرة بداخلنا أيضاً .. المشكلة ليست طوال الوقت في "الناس" .. في "الآخرين" .. أو حتّى في "الحشود" .. حتّى في أغلب الإنقلابات العسكريّة .. يُمكنك دائماً أن تُلخّص المشكلة في فَرْد.. تحديداً في داخِل فرد.

تتشابك الحياة وتتعقّد .. وتتشابك أصابعنا أيضاً في تواطئ مُبتسم على تعقيد الحياة، وأنا أيضاً ابتسم .. بحثاً عن مكاني على شاطيء جديد، ولمحة جديدة من حياة أخرى، كأي فتاة صغيرة أحب البدايات، وأحب من يعدُني بها، وربما هذا الحُب للبدايات الجديدة، هوَ ما يدفعني أحياناً لإنهاء الحكايات بشغف، انتظاراً لبداية أخرى في مكانِ آخر .. أليست النهاية - ببسَاطة - بداية؟

بعيداً عن السرد المُتداخل في ألف ليلة وليلة، أحاول فَك تشبيكَة الأصابع، والبَحر يبتسم حين يلمحُ خطواتي تقترب من النهايَة.

في هذهِ المرّة .. كان البَحر أزرق جداً، وهناك درجة من الأزرق مهما حدَث للدُنيا وللناس لن أستطيع الفكَاك منها، ,وهذا البَحركان يُخرجها لي من أحلامي هذهِ المرّة ..لا.. ليس من أحلامي تماماً، كان يُخرجها من مكانٍ دفينٍ في نفسي، يحلُمُ بدرجةٍ من الأزرق لا تتكرر ولا تنبغي لأحدٍ غيري، كأنّي أحلمُ بمُلكٍ يمتدُّ مِلءَ البصَر وينتهي عند قدميّ.

يقولون أن الأزرق لونٌ ملَكيّ، وأنه مع الأحمر، لونا بُرجِي الفلكيّ، ولا يخفَى أنّي أهتّم، وأننّي عندما أهتم أظهر ذلك، في الحقيقة أنا أستمتع بإظهار الإهتمام، والبَحر كان ينظُر لي ويبتسم.. البحر ذكي، يعرف أن وراء هذا الإهتمام قُدرةٌ على الإستمتاع بالقطيعةِ أيضاً، ولهذا كان يناديني لأغرق في كُل مرّة تبتعد قدماي عن القاع، وكلعبة أصبحت مألوفة بيننا في اليوم الثالث، كُنت أداعبه بقدمي قليلاً وأسحبها، ألتقط صُورةً لنا ..قبل أن أعود إلى الشاطيء مرّة أخرى.. فقط لأراه يتفهّم .. ويبتسم .

أمشي على شاطيء جديد، لا يعرفُ شيئاً عني.. رُبّما تناثرت له بعض الأقاويل من هنا أو من هناك، ربّما ردّد العابرون شائعات، أو حكاياتٍ لم تكتمل عن احتمال وجُودي، لكنّه لم يكن متأكداً من ذلك، ولا أنا .. كُنّا نلمح بعضنا في الصور.. في الأجازات السنويّة يمُر الاسم في مخيّلتي فقط لتتغيّر الوِجهة، وكبحر يعرف أن له ميعاداً، كان ينتظر..

لماذا حدث هذا الآن؟ لا أعرف.. رُبّما إذا حكى لي في يومٍ عن المواعيد، والنصيب، سأستمِعُ بشَغف، كلصّة حكايات تُحب ما تسرَقه، وتحتفظ به في مكانٍ أمين، لكنّي الآن أتعرّف عليه .. رُويداً .. أعودُ لعاداتي وأضُّمُ إليها عادات جديدة وألوان جديدة، أفكّر في التزاماتٍ طويلة، وفي أماكن أخرى لا تعرفني أيضاً.. من أين تأتي بهذهِ الدَرجة من الزُرقة يا جَميل؟

تبدو الحكايات القديمة بعيدة .. كأنني أخيراً أستطيع المشي على قدميّ مُجدداً، هناك بعض الندُوب، لكّن زُرقة هذا البحر تدفعها للإلتئام، خساراتٌ مرّت وفَقْد، تغيّرت الإتجاهات كثيراً ودارِت الأرض دورتها، وهذا بحرٌ جريء .. يُطهّر جروحي، لكنّه يسأل بعينين عابثتين: هل أنتِ راضيةٌ عن اختياراتِك؟

هل تريد أن تعرف حكايتي كما حدثت؟ أم كما أحكيها؟ أستطيع أن أضيف بعض المخلوقات السحريّة إلى الحكاية الأصليّة، لكنّي لن أكذب أبداً في كُل مرّة صدّقت فيها رسائلك البعيدة، وفي كُل مرّة صدّقتُ أننا سنلتقي وستُظهِر لي هذهِ الدرجة من الزُرقة التي تنبُع فقط من داخلي.
لربما سمعت كيف يحكيني الناس.. ولكن حقيقة ما حدَث هي مُلكي الذي لا ينبغي لأحد، وهذا مكاني من العالم .. أعرف عنه بعض الإحداثيّات الآن.. لطالما كنت أعرف مكاني في قلب البحر.. لكن بحراً بهذهِ الزُرقة احتاج الأمر وقتاً كي أتثبّت من المِعرفة.. هذا مكاني يا بَحر .. فهل عَرفتَ أنتَ مكانك؟
الصورة لبحر دَهب - مصر - يوليو 2016 بعدسة نهاد زكي.