يجب أن أهرب..  

Posted by we2am

لستُ على حافّةِ الأشياءْ..و لا أبحثُ عن ذلك..بالعكس أكرهُهُ جداً..و لا عندي رُهابُ السقوط -ربما رُهاب اجتيازِ الشوارع- أنا عندي رُهابُ الشِّتاتْ..عندي رُهاب الحِصَار..لا أطيقُ أن يُفْرضْ عليّ أو أفرضه علي أحد..إذن: لماذا نقبل الأوضاع المؤلمة التي فيها نُحاصر الآخرين أو ندعوهم لحصارنا عن طِيبِ خاطر؟!
لا أعرفْ..هذه الأشياء الخانقة و التفاصيل المملة باتت شيئاً يُضْجر..و يدْفعُ للإنتحار بلا محاولاتِ اقناع من "كامو" أو حتي صفحتين من احدى كُتُبِه،كنتُ أتجاوز لو أنَّها لا تمسني..لو أنها توقظ الملح في دمي..لو أنها تجعلني أتذكر..و لكنها تضغطُ على الوريد كإلهٍ يُصِّرُ علي قُربٍ غير مُبرّر!
أُحاصَر مُجدداً في الموقف المُخنَّثِ الذي أكرهه،الكثيرُ من الأسماء على جدران المعبد مطموسةٌ بفعلِ فاعل،و نُقش عليها اسمٌ جديدٌ في عُجَالةٍ كانت كافية لفضح عدم أصالة و تجذُّرِ الإيمان،متي ينتهي هذا الحصار يا درويش؟ ألم تعدني في آخر جلسةٍ بيننا أن هذا الحصار مجازيّ و سينتهي حين نداوي أنفسنا بأيدي الأطباء و الكهنة؟؟ لا الأطباء فلحوا ولا الكهنة..و لا الشعر و لا الموسيقى ولا أي شيء..تباً - و سُبّة قذرة أُخري - لهذه الحالة التي بلا هويّة.
المنتصف العاهر..يُجبرونني علي الوقوف هناك،لكأن فيه متعةً لا أفهمها! فيم إذن كل هذا التمجيد للبداياتِ و النهاياتِ أيُّها المجانين؟!!..لستُ على حافّةِ الأشياء فأكون جبانةً وأرتاح،و لا مصابةٌ برهابِ السقوط ..فأكون جبانةً و أرتاح..و لا أعرفُ الهرب..فأكون جبانةً و أرتاح..و لا أرفضُ الحياة..فأكون جبانةً و أرتاح..تباً - و سُبّة قذرة أخري- لكُّلِ البلابل التي لا أغنّي مثلها.
أسيرُ بين المعابد مجدداً..في طريق لا أعرفه -و إن كنت تعوّدت عليه-أحاول البحث عن معبدٍ قديم نُقش عليه اسمي منذ الأزل،فيكون خاصتي و ملكي و محلِّي و عالمي،كل المعابد حتي الآن نُقش عليها اسمي بعد طمس الأسماء الأخرى حتي بلا مهارة و لا حرفيّة،يجب أن يكف الفراعنة عن الدعارة في العِمَارة أيضاً.
لا الكل يكفيني الآن ولا البعض..أزَفَ الوقت..و هذه الأشياءُ الخانقة تلصقُ ظهري بالجدار،و عهر إخفاءِ الحقيقة يتسرَّبُ من بين الشقوق،و القلبُ لا يَسَعُ إثنين،لكنه يعرفُ كيف يعني بنفسه،و تغيُّر الأشخاص و تبدُّل مواقفهم أصبح يُصيبني بالغثيان،البحرُ يَعْلو..و حواجزي أمامه ترتفع بلا فائدة..الحصارُ يمتّد..و يُحيطُني من سِتِّ جهات.. يصلُ إلي ركبتيّ..و أنا أعرف كيف أعوم في الماءِ المضاف إليه الكلور..لكني لا أعرف كيف أتحرك شبرين في الوَحْل.
ماهو الهرب؟ و كيف أفعله؟؟
يجب أن أهرب الآن..و حالاً!

و يَنْساني..  

Posted by we2am



رأيْتَنِي في العِلْم،أسافرُ على شيءٍ ما ؛ لأصِلَ إلى مكانٍ ما،مكانٌ مُبْهج هُوَ ..و في رُوحه ما يدلُّ على أنه سيستمر هكذا أربعين عاماً و شهرين و يومين،أصلُ للمكانِ الذي لا أعرفه - و إن كنت –كالعادة-رأيتُهُ في مكانٍ ما آخر- و أترجََّلُ عن الشيء ما لأدخل من بابٍ ما،أدخلُ فأغرقُ في البَيَاضْ،أفكِّرُ كيف كان اللون الأسود..أسوداً حقاً؟ و أستغرب..ربما لم يكن هناك ما يُسَّمى هكذا سابقاً.


المكان يَخْتفي و البياضُ يَسْطع، أنتقل إلي مرتبةٍ أعلى و أوضح..الحروفُ أمامي..أراها أمامي في كامل بَهائِها و عِليائها،تطيرُ فتكوِّن كلمات،و تطيرُ الكلمات و تتعانق لتكوِّن جُملاً،بعضها يكُون الاسم،و البعضُ الآخرُ لا مكان له في الوَصْفِ فيفعل،أرى الفِعْل أمامي ،و أراهم جميعاً مُتَّحِدين فيه كأنَّهم واحدٌ لا يتجزّأ و كُلٌّ لا يَنْفَصِم، ،الحروف تبدو جوعى و سوداء اللون، و لا شيء هنا يسُدُّ الرمق،ماذا تأكلُ الحروف الآن غير قلبي؟ لا شيء ..آخذ من قلبي لأطعمهم ..حتى أعْطِيهم إيّاه كاملاً..لا أريده و لا أريد أكثر من بِضْعة حروفٍ تكوِّنُ كلمات،تُكوِّن جُملاً..ليكتمل المعنى ،و أراه أمامي واحداً أحدا..فأعرفُ الطريق التي سأضيعُ فيها وحدي.

لم يكن في العُمر الكثير من "العِلْم"،كان هناك -بطبيعةِ الحال- كثيرٌ من الحلم،فلتَكُّفْ الحروف عن مُراوغتي إذاً،أهديتها قلبي لتأكلُه ،و روحي لتشرب منها،فلتكفْ حروفه عن طردي من جنتها كلما عَنَّ لها،كأني آتيتُ شيئاً نَكِرا.
الحروفُ سوداءُ اللونِ و اللُّغةُ تتلوّن بمشيئتها،و الخط محايدٌ تماماً لا يَعْترف بالأضداد و لا بالمحاسن،و الدَّمُ –دمي- أحمرُ اللون،و القلب-قلبي- اختلطتْ فيه الألوان حتى صار لونه مؤجَّلُ التسميةِ ليوم القيامة،لم يكن آدم يعرف ،فلن نعرف الآن.

وصلتُ للحافّةِ المُقدسة،فأخلع نَعليّ،أمشي علي لُغته حافيةَ القدمين،أستمتعُ بملمس النِقاط و الحروف،تعْثُرُ أصابع قدميّ في نقاط الثاء،و تُدميني سِنان السين،و تجرحني ملوحةُ البحر في حرف الحاء،و يَبْتلعني نُونه و يَلْفِظُني،لأضيعَ سنين في تِيهْ الهاء،أخرجُ منه لأنزَلِقْ على الراء فأراني في مواجهة العين،أغضُّ الطَرْفَ و أهرب،فأصطدم بصرامةِ القاف و سهم الألف،أموت خوفاً فأرتدُّ بظهري و أجري فيلحق بي الضاد و الميم و التاء المربوطة ،يحتضنوني و يهدِّؤوا من رَوْعي،فأهدأ..أهدأ و أستكين،اعتدل في جلستي على الزاى..و أرى الدال تُضَمِّد قدمي التي جُرحتْ بحنو،و أرى الياء قادمةٌ من بعيد تحملُ وعداً بدواءٍ للقلب المُرْتجف،الباء و اللام و الغين و المد يتساءلون؟ ألم تكبري بعد يا صغيرتنا؟ لماذا يهزمك الخاء و الواو و الفاء الآن إذن؟!


لا أملك الإجابة،و قدميّ لازالت تُؤلمني من المشي على حروفهِ الحادةِ المُوجعة،كما الهربُ من حروفهِ القاسيةِ المُرْعِبة،يُراودني النون عن نفسي بعد أن لَفَظني و كنت أريد أن أظلَّ نقطةٌ فيه للأبد،يقنعني أنه لم يكن يقصد،و أن النون يختلفُ باختلافِ القمر..و أني قمرٌ يختلف،فلتكوني نقطتي و ملكي و حدودي،و مدٌ أهربُ إليه كلما اشتّد الجَزْر،و عينٌ أشرب منها كلما زاد المَلْح،أتوه مع النون،يُغْويني عن بقيةِ الحروف،و يُنْسيني كامل لُغته و ما فعلته بي،شيءٌ كأنه الخَدَرُ يسْري بأطرافي ،أشعرُ بالنون بكامل ثُقْله علي جسدي،ثم يَلُفُّني و هو يُقبِّل قدميّ الدامِيتان ،حتى أفقدُ الوعي في أحضانِه.


أفيقُ..بيدي ديوانه المُغْوِي،ابتسم لرُوحِي..كم يكتُبُ الشِّعْر جَميلاً..و يَنْساني..

photo by:Sayed Dawoud

ستة أحلام كهذهِ تكفي.  

Posted by we2am


حسناً..في الحُلم الأوّل كنتُ أرى كلُّ شيء، و أسمعُ كلَّ شيء، و أحسُّ كلَّ شيء..المشاعرُ صلبةٌ و حقيقية حتي تكادْ تلمِسْها بيديك،و تُشكّلها كيفما تشاءُ بقليلٍ من الماءِ المُضاف إليهِ ماءَ الورد،الأشجارُ و البنايات و الناس و الشوارع ..كل هذا و أكثر.. كان موجوداً فعلاً..حقيقياً ..باسمهِ و صفتِهِ و كاملِ حُضوره و تكوينِه.
في الحُلم الثاني..بدأتْ الصورة تهتزُّ قليلاً..لم تعدْ الحواس بكاملِ عُنفوانها كالسابق..بدأتْ حاسةُ الشمِّ في الاختلال أولاً..لم تعدْ روائحُ الأشياءِ كما كانت..داخَلَها شيءٌ ما لا تَدْري كَنْهُه، مهما حاوَلتْ وَصْفهُ لن تستطيع،و هذا ليس نصاً أدبياً كي أُحاول الإمساك بصورٍ بَليغة و إيضاحْ معاني مُسْتترة،هو شيءٌ أصابَ الروائِحْ..فلم تَعُدْ كما كانت..و فقط.
في الحُلم الثالث..انتقلتْ العدوى إلي الرؤية..لم تعدْ الأشياء كمُسمياتها..لم يعد ممكناً أن أشيرُ إلي قِطةٍ تَسيرُ في الشارع ،و قطةِ كتابِ القراءة تحت حرفِ القاف،هناك شيءٌ مُختلف بين الاثنتيْن..لم تعد الأشياء مثلما هي في كتابِ القراءة..تغيّرت صورةُ الأشجارِ و الوُرود و القطط و الأطفال و البحيرات الصغيرة التي يصنعها المطر و الليالي الخريفية و ورق الشجر المتساقط و ساعة الميدان و علامات الشهور في نتيجة الحائط..كل هذا تغيّر و لم يعد يَشْبه صورتِهِ في كتابِ القراءة.. هذه ليستْ قصيدةً لأختصر المعنى في جملةٍ من ثلاثِ كلمات،أو أختزل الصورةُ المهتزّة في تعبيرٍ رفيعِ المُستوى،هو شئٌ أصابَ الرؤية..فلم تعد كما كانت..و فقط.
في الحُلم الرابع..بدأتُ أقلقْ علي حاسّةِ السمع..فطفقتُ أسمع كل الموسيقى التي تَطالها أذناي،و أكلّم الناس لاسمع أصواتهم المختلفة و أميّزُها،و أُلقي بالشيءِ على الآخر لأنصتُ لصوتِ الارتطام،و كنتُ أسمعُ و أميّز فعلاً..و لكن شيئاً ما في رنّة الأصواتِ التي تخرج من الأشياء..أو التي تصدرُ عن الناس..لم يعدْ كالسابق..ربما هو الإيقاع..ربما هو اللحن..ربما النغم..لا أعرف..ظلّت الموسيقى علي حالها و اختلف كل شيء..و أنا لا أؤلفُّ لحناً الآن لأحافظُ علي دقّة العلامات..هو شيءٌ أصابَ الأصوات..فلم تعد كما كانت..و فقط.
في الحُلم الخامس..جلستُ علي الرصيف في البدايات..لكى أحصِرُ ما تبّقي لي من الحواس..فوجدتُ في يدي فجأةً قطعةً من الشيكولاتة،فتحتها بشغفٍ يليقُ، و أكلتها كلَّها،بينما كنتُ آكلها،استمتعتْ جداً..و حالما أنتهيتْ؛ أكتشفتْ أنه لا طعم لها!..هكذا! بلا أي مبررات ولا حيثيات للقرار ولا تحذيرات مسبقة"انتبهي،ستفقد الشيكولاتة طعمها بعد قليل"لم يقل لي أحدٌ ذلك..لمحتُ رجلاً يمشي مُسْرعاً علي الجانبِ الآخر..قلتُ كل شيءٍ يفقدُ طعمهُ إلا قبلةٌ مُفاجئة..ذهبتُ إليه..فقبلني و لَعَقْ شفتيّ و نظرَ في عيني و مضى،نظرتُ في عيني فأكتشفتْ أني لم أشعرُ بمذاقِ القبلة،و لا أتذكّر طعم ريقه!..يا للنهارِ الغائم..أنا لا أصنعُ الحلوى الآن كي أهتّم بالإضافات ..هو شيء أصاب طعم الأشياء..فشابَها شيءٌ من المرارة و أشياء أخري لا أعرفها..فلم تعد كما كانت،وفقط.
في الحُلم السادس..أصبحتُ كالعاجزِ لا أملِكُ إلا احساسي المشوّش بالأشياء و الأشخاص..دائمةُ الدوران في حلقاتٍ مُفْرَغَة : كأن أمشي في شوارعٍ مُتشابهةٍ تَؤدي إلي بعضها في نهايةِ المطاف،اختلفتْ الرؤية و الروائح و الأصوات و الطُعوم..حتي الإحساس تكدّر بدرجةٍ مُزعجة..درجة محايدة عاهرة جداً..تلعبُ بأعصابك..فتارّةً تشعرُ أن احساسك في أوْجهْ،و الأخرى تشعرُ أنّه لا شيء..الاحساس هو أهم الحواس في نظري..عندما تبدأُ حواجزهُ في الارتفاعِ فهُنا الخطر..و احساسي حواجزهُ ارتفعتْ امام البحر شخصياً في الحلم السادس،و هذا لا يبشر بخيْر..فقلتُ في نفسي:أنا لا أكتبُ نصاً أدبياً أو قصيدةً أو أؤلف لحناً أو أصنعُ حلوى أوحتى أرسمُ لوْحة ..أنا أحلمُ لعلّي أجدُ طريقاً يُناسبني..و عندما جلستُ علي الرصيف في النهايات..وجدتُ القمر ساطعاً وحده..و يشبهُ صورته في كتاب القراءة تحت حرف القاف،و ووجدتُ وردةً بيدي رائحتًها تكاد تسكرني،و سمعتُ اللحن المميّز لدخولِ كارمن على المسرح كأنها تخْطُرْ امامي،ووجدتُ طعم ريقهِ في فمي فجأةً حتى أكادْ أصفهُ للمارّة..و عندما بدأتُ في الارتفاع عن الرصيف..عرفتُ أنّي وجدتُ الطريق.
Photography by: Ahmed Magdy Ahmed

بَنْسيُون  

Posted by we2am




دائماً هُو في الاستقبال،المكانُ و الحالة..مِلكيّةِ عائلتهِ لهذا" البَنْسيُون" القديم تُحتِّمُ عليه أن يُتابِعْ يومياً حركةُ المُتحرِّكين،
الحالةُ تفرضها عليهِ الصالةُ الواسعة،أوسع ما في "البنسيون"..غرفُهُ ضيّقةٌ جداً،و ممرّاتُهُ كأنّها دهاليز في قلعةٍ فاطميةٍ قديمةٍ،
صالةُ الاستقبال واسعةٌ للغاية..تحفُّها مقاعدٌ في تَشْكيلاتٍ مُختلفةٍ،فهناك مقاعدٌ صُفَّتْ صفاً واحداً للانتظار..و هناك مقاعدٌ في تشكيلات دائريّة لليالي السَّمر و سهراتِ الحكي،و هناك مقاعدٌ صُفَّتْ كمقاعدِ المسارح،بحيثُ تكونُ أمامها مساحةٌ لفِرقَةٍ أو راوي أو "مونولُجِسْت" من أيامِ العِزِّ المُنْطّوي،يفْصِلها عن بعضها بعضُ النباتاتِ أو ستائِرَ من الخَرَزِ الخشبيّ بلون الأثاث الأرابيسك القديم.
هناك – في الواجهة- أمام الباب،هُو..يحتلُّ موقعهُ وراءَ حاجزِ الخشب، وورائُهُ حائطُ ازْدانَ بمفاتيحِ الغُرَفْ ،لازالتْ المفاتيحُ بأغلفتها الحمراء و الصفراء القديمة،الحمراء : للغرف المُزْدَوجَة، الصفراء : للغرف الفرْديّة،أما المُفتاحين الأزرقين،فواحدٌ منهما للجناحِ المُلوكي الذي اعتاد أن يَسْتقبل فيه فنَّان "العُودْ" المعروف،و الآخر "للآتُلييه"..فهو يرسمُ أحياناً، و يؤجِّر "الآتلييه" للطلاب الذين يبحثون عن العُزْلة لإتمامِ مشاريع تخرِّجِهم ،أو للمُبْتدئين ليلدوا فنّهم الأوّل في جوّ مُهيّأ لذلك.
ظهراً..استيْقظ من نوْمِهِ ، أخَذَ حماماً و تناول إفطاراً سريعاً..توجَّه من بيتهِ في "دار السلام" إلي "البنسيون" في وَسَطِ ميدان "السيّدة زينب"،لم يلْتَفِتْ لزَحامِ الطريقِ أو النّاسْ، كأنَّهُ ذَهَبَ طائِراً..وصلَ إلي بغيّتِه،دَلَف من المدْخل و سلّم علي العاملين،و اطّلَع علي دفاتِر الحِسابات و سِجلاّتِ المُقيمين،اطمأنَّ أنّ أوراقهم سليمة،و اطمأن لسَيْر الأمور كما يجب في المَطْبخ،أراد أن يُلقي التحيّة علي عازفِ "العُود"،صعدَ إليه..فوجد بابُهُ مُغْلقاً و الأنغامُ تتصاعد بلا سياقٍ واضحِ،كطريقٍ لا يُؤدِّي إلي هدفْ..قرّر أن يرسُم قليلاً في "الآتُلييه"..عندما صعدَ إلي السّطح..تذكّر أنّ هناك طالبين ينْحتانِ تمثالاً هائلاً ل"أبو الهوْل" و لكن برُؤْية مُعاصِرة،لا مكانَ لهُ هنا..هَبَطَ إلي الطابِقِ الأرضي..اتَّخذَ مَوْقعهُ وراء الحاجزِ الخشبيّ كما يحدثُ مُنْذُ خمسةِ أعوام..
لكِنَّهُ اليومَ فكّر : "كمْ أنّ الأماكِنَ الواسِعْة..تُجْبِرُكَ علي الاستقبال".0
photography by:Mohamed Fakhry

عجوزُ الكراماتْ.  

Posted by we2am




لا يصحُّ أن تكتملْ السلسلة.. دون حلقةِ الوصْل،و عجوزُ الكرامات ..هي مِسكُ الختام عندي..البنات يعشقونها لأنها تقرأ في عيونهن ما يُردْن و تُخبرهن..لها قدرةٌ هائلة علي قراءةِ اسمِهِ في عينيكِ..و معرفةِ لون نيّته..سواء سوداء أو بيضاء أو حتي بمبي مسخسخ،و ربما معرفة أشياء مُشينة كذلك عن مُراهقتِه. يتصارعن عليها ظهيرة أيام الأربعاء و الخميس علي أول شارعنا، لا تسمحُ بأكثر من خمس دقائق للبنت الواحدة،التي لا تسأل عن شيءٍ سوي حبيبها و لون جواربه كأنّه إله الكون..تهُربُ منهن و تختصني ببقية اليوم..تخبرني كيف تقرأ في عيون البنات،و تحكي كيف بدت الحياة سهلة و مقشرَة "كاللوّز" واعدةً إياها بسعادة و استقرار أبديّ،و كيف تقلّبت الأقدار فجأة في عرْكةٍ صغيرة بالمذبح راح ضحيتها أفراد العائلتين و بعضُ أفراد قوّات البوليس.

تحكي أحياناً عن إعجابها بفتوة من "طولون" كان اسمه "سيّد العريان " ،تبدأ الحكاية بانتظارهِ لها كل يوم ،عائدةً من السوق بمشنّة الخضار ،مرتديةً السواد علي العالم،يسألها إن كانت تحتاج شيئاً أو لا..و يبتسم لها و يرحل،تنتقلُ الحكاية فجأة إلي قبلةٍ مُختلسةٍ في ظهر الجامع الكبير،تخبرني عن روعتها فيما تتشابك رُوحيهما مع اندلاقِ جسديهما،فيما هي ترتفعُ بعينيها عن عينيه.. لتري تَعانُق مئذنتي "السلطان حسن" و " الرفاعي" علي البعد،تحكي عن هفهفة الروح بمفرداتٍ لا تصلح للحديث عن الأرواح، و لكنني أفهم..و أحسُّ و أضطرب..حتى تَتَسع عيناي و تزداد ضربات قلبي و ترتعش يداي انتظاراً ،ولكنها تصمتْ دائماً هنا.. و لا تأتي أبدأً بقيةُ الحكاية.
تعاملني بنديّة..كأنني أقرأُ العيون مثلها..و الحقيقة أني لا شيءْ في هذا المضمار..و لكنها كانت تقول: بنت! أنتِ جميلة! وجهك برئ و عيناكِ ماكرة! و أنا أضحك علي الشِّعر الذي تقوله،فلا تفهم..و تخبرني أنها تتمني أن تري "شَعْري" مفروداً و سائحاً و نائحاً كصورتها عن الحُور العِين،و تخبرني بسرٍ: الرجال يحبُّون الشَعْر المفرود!..توقفي عن تصرفات العباسية و افردي شعرك بزيت من عند العطّار! تتساءلين لماذا يخافون منكِ دائماً؟ لأنك تهوّشين شعرك مثل أمنا الغولة!!

تصرُّ دائماً أن أعلِّمَها حفظ الأغاني و معانيها،تعشقُ "أم كلثوم" ،و هي من علّمتني روعة الانسجام علي "الأطلال"،أعلمها قدر استطاعتي،آتي لها بدواوين لبيرم التونسي لأنه الأسهل،و لكنها تريد أن تسمع أحمد رامي،و أحمد شوقي،و إبراهيم ناجي،هي لا تعرفهم..و لكن يكفيها أن تسمعْ "كان صرحاً من خيالٍ فهوى" لتقضي الليل تعلمني قراءة العيون.
تأمرُ بالانتباه:بنت! فانتبه..تستطرد: العيون أسرار..كل واحد ممن ترينهم يحمل بداخله حزناً و فرحاً و خوفاً..تتعدد الدرجات..فتلاقي الشجن و الزعل و الضيق،أو الروقان و السرور و الغِبْطة،أو القلق و الرعب و الهلع..إنما الأصل..ثلاثة..هم الحزن و الفرح و الخوف.
تُكمل:مهن الناس عناوينهم..انظري من يعمل نجاراً أو حداداً كيف يتطبّعُ بطبعِ الخشب أو الحديد، فهذا يحترقُ بالنار..و هذا يلينُ بها! ،ما الفارق بين الدكتور و سائق التاكسي؟ أصمتْ مُنتظرة الإجابة..فتزغدني في صدري قائلة: "مخك صغير و صدرك كبير"، ثم تضحك في صخبٍ، أضحك لروقانها و للسُبّة المُعَجِّزة..التي لا تدري أهي مدحٌ أم ذمْ..تُكمل و هي تلف سيجارتها:الفرق بينهما عيونٌ تلقط الشاردة و الواردة،يتمتع بها السائق، بينما الدكتور ..أذنٌ تلتقط جميع أنواع الأصوات و تميّزها، بغباء أتساءل: ما دخلُ هذا في قراءة العيون؟ تقول بحذقٍ و هي تمرر لسانها لتلصق السيجارة و ترميني بنصفِ عين: الدكتور يحبُّ بأذنيه أولاً، و السائق يحبُّ بعينيه أولاً.
رغم غبائي في كل الدروس التي تلقيتها و محاولاتي الدائمة لتسجيل ما تقوله كتابةً و قراءة و تحويل الكلام إلي أبجديّات،إلا أنها في أوقات الصفاء..تجلس معي علي القهوة،لا تسمع أخباري، و إنما تنظر في عينيّ ،تظلُّ كذلك حتى أنظر للناحية الأخرى و تهطلُ منهما الدموع،تبتسم و تطلب لي حجراً آخر من الشيشة و قهوة.
في مرة،سألتها عن حبيبي،فلم تجب بشيء و قامت من أمامي لتدخلْ إلي ضريحِ السيدة زينب و غابتْ هناك،حتى داهمني موعدٌ فذهبت و لم أرها،و تكرر الأمر في مراتٍ عدّة،كنت البنت الوحيدة التي لا تقرأ اسمه في عيني و تخبرني عن لون جواربه المفضّل،حتى توقفتُ عن السؤال.. لا عنّي ولا عنّها.
هذه المرّة.. قابلتها في الصباح،ذهبنا في جولةٍ في مصر المملوكيّة،بدأنا من الخضيري مروراً بشارع الصليبة ف طولون ف سبيل أم عبّاس فقصر الأمير طاز و حتى السلطان حسن و الرفاعي ، وقفنا أمام المئذنتين صامتتيْن..رأيتُ عينيها تترقرقان بالدموع..أدارتْ وجهها ناحيتي..و لأوّل مرّة ..تَهَجيْتُ ماحدثْ ..في عينيها.

photography by:Mohamed Fakhry