RSS Feed
و أنا..أنا..لا شيء آخر

Sunday, December 25, 2016

سِفر الطريق الذي يرَى النّيل



"كُنت دايخ
ولّا خايف أقع
ولّا باسأل نفسي لجْل المُر
اللي يتلقّاني بين الرياح
إمتى كان مُمكن يضيق البَراح؟"
فؤاد حدّاد
كُنت دايخ.. وكُنت خايف أقَع.. وكُنت على الصِراط، وكُنت في بَرزَخ، تنخِلعُ رُوحي وتحلّقُ فوق المشهد، وتتساءل: هل هذا ما كنتِ تحلمين بِه في مثل هذا اليوم؟ هل هذهِ القبضة التي تعتصر القَلب حتّى تحوّله إلى رمادٍ تذروه الرياح، هيَ نفسُ القَبضة التي أمسكَت بيدهِ تعبُر بِه الطريق؟

لطالَما كان بحرُه الأزرَق مِداداً للكلمات، حتّى تحوّل الأمر في بعض اللحظات إلى وَحي لنبيٍّ صَغير، وشُعاع شمسٍ للمشرّدين في الشوارع الباردة، وغلالة ملوّنة تحول بيننا وبين العالم البائس.

لماذا تبدو الكلمات ثقيلة الآن إذن وبلا معنى؟ كأن كُل هذا التراث من الشِعر والأغاني والكُتب والنظريّات قبضُ ريح، وفجأة.. ينسحب كل ما تعرفه إلى زاوية مُهملة في عقلك، وتخرج أسئلة لا تعرفها بإجابات لا تريد أن تسمعها، ما فائدة كُل العلم الذي نعرفه وكُل الكتب التي قرأتها وكُل المنطق الذي تشدّقت بهِ إذا كانت ستقود لهذهِ الحسرة؟ 

تتردد بعض الجُمل في أذني، واتساءل في نفسي عمّا تعنيه، هراء كامِل التكوين، وعن السياق الذي قيلت فيه، أسوأ الأيام، كأنه يخجل من ضمّة يدي ف طريقٍ صعب، وانظر إلى الشفتين في أثناء الكلام، وأقول لعلّ قُبلة تُصلح الأمر.. 

لكنّي تعوّدتُ أن قلباً كقلبي دائماً يندهش وحده، ودائماً ما تُصلح قبلة وكلمة طيّبة أموره، فيما يبدو صعباً جداً على الآخرين أن ينصلحوا من أجله، في كُل مرّة وصلتُ إلى هذا الحائط، وجدت قلبي يصطدم، كأن لا شيء يتغيّر، كأنه لا يوجد جديد أبداً، كأن كُل شيء يتكرر في دورةٍ أبديّة، أليست السعادة كما يقولون رغبةٌ في التكرار؟

لعلّني كُنت أحب، وكُنت سعيدة، وكُنت أعرف جيداً مكاني من البَحر، وكُنت دوماً أحاول أن أحفر نفقاً بيدي العاريتين في الماء المتلاطم، كُنت أريد أكثر وأكثر، وكُنتُ أنتظر، وكُنت أحاول أن أحفظ الروح والقلب في خطوط يديه، ولعل روحي تنفصل عنّي من شدّة قسوته وتعودُ ولو متأخراً، لكأنه يطرق حديداً بمطرقة! من أي جوف جحيمٍ صنع سنديانه؟!


لعلّني حين اتبعتُ حدسي وصدّقته تسرّعت، 
لعلّني أتعلّم الرحمة أكثر، ولعلّ الحُزن ينساني قليلاً، ولعل الحِكمة تأتي في صورة مزيد من التفهُّم للضَعف، كيف يكوِّن عقلَك أشباحه الخاصّة ليحرِمَك مُتعة العيش، وليمنعك دائماً من الثورة على قيودِ النّفْس، وليُعيدك دائماً إلى منطقتِك الآمنة وأنماطِك المُعتادة ..ولعلّني أعرفُ في يومٍ ما، أنه ليس كُل من يرسم لنفسِه لوحةً في عينيّ، سيستطيع أن يحافِظ على ألوانها حين تُمطِر..


كُنت أمُرُّ بجوار السيّدة وأنا أفكّر فيهِ كأنَ شيئاً لم يكُن، وأحاول أن أطرد أشباحه السخيفة من رأسي، وأتذكّر ابن عربي وهوَ يقول" الحُب موتٌ صغير".. كأنَّ الحياة توقّفت هنا ..

Friday, September 30, 2016

فليأتِ الماء! *

- على الإنسان أن يكون مُمتناً .. حينما يفتقده أحدهم في هذا العالم المُزدحم البائس المليء بالحزن والفقد والخراب.

تبدو هذه جملة افتتاحية لكتابٍ يتفلسف في شَرح أشياء بسيطة، أو لرواية طويلة عن مأساة أخرى، لكنّها في حقيقة الأمر ختامٌ ليوم واحد فقط، شعرتُ في ليلِه أن افتقادي لك يجب أن يُكافئ بشيءٍ ما، لم أفتقد أحداً منذ مُدّة وبدا هذا يستحق مقابلاً عادلاً، هل لازال الافتقاد بلا مقابل؟

كنا نمشي على ذلك الشاطيء، حين توقّفت أنا لأن شكل الرمال أغراني بتدوين التاريخ، عبثت بأقدامي قليلاً ورسمت باصبَع قدمي شكل الأرقام والحروف.. لاحظت نظرتك التي لا تفهم هذا الفِعل .. لكنني في بعض الأحيان - تفكير أناني قليلاً - أهتّم بالتدوين من أجلى أنا.. امساكاً بلحظاتي أنا السعيدة.. ربّما لا تكون هذه من أسعد لحظاتك وربّما تكون، بعد قليل ستطمِس أقدام العابرين الكتابة الطفوليّة، ولكن بقدوم الليل، ستُعيد كتابتها أمواج البَحر، هل حكيت لك عن تلك العلاقة بين الإيقاع بداخلي والأمواج؟ لا؟ رُبّما لم تلاحظ أن أوّل مرّة تأمّلتُ في بعض كلماتك.. كانت أمام البَحر..
هذهِ قصّة أخرى..
لكن الأكيد .. أن بعض وجودك يخلِق عالماً سعيداً بلا خراب ولو لفترات قصيرة، ويسلِتُ من قلبي دقّتين..


بعض هذه الأمواج السعيدة تحمِل نظرةً أحبّها، تفلت منك أحياناً حين تترك نفسَك على سجيّتها قليلاً، أو ربّما نفسَك هي التي تُصِر على الخروج والتجوال من خلال عينيك بمفردها، وتستفرد بي، وبعيني وبوجهي وبرقبتي.. أشعر بالنظرة على جلدي، ويدق قلبي دقتين زائدتين، التفت إليك فتهرب النظرة، وتتجوّل في مكانٍ آخر، لكنها تظل هناك في ذاكرتي، في ذاكرة جلدي، النظرة التي تلمس وتتحسس مسامي برقّة، وببعض الشغف المُتحرر، وتنزل بشقاوة واثقة لتطل على نهديّ، كأنّك ستمد يدك الآن لتقبض عليهما، يدق قلبي دقّتين، وأقول لن أنظر في عينيه الآن..

تأخذك موجةٌ أخرى قاسيَة، تُفلِت يدَك من يدي، أغتاظ وأمسِكها مرةً أخرى، فتأخذك مرّة أخرى، في المرّة الثانية أفكّر، ربّما تُحب أن يأخذك الموج.. فأترُك يدَك قليلاً .. لكِن قلبي يُفلِت دقّتين، وتتحرّك أصابعي بحثاً عن أصابعك، تطمئن إليها، وتسري موجةٌ أخرى من الدِفء .. فأسنِد رأسي على صدرك وأغمُض عينيّ، وأقول ..حسناً.. لن أنظر في عينيه الآن..


ما بين موجةٍ وأخرى، يغمرني بحرَك فجأة حين يُقرر ذلك! هكذا .. أستيقظ في صباحات الأيّام.. لأجد رائحتك تغرق الوسائد وتفوح من ملابسي ويُمكن فركها واستخلاصها من كَف يدي.. تبدو المقاوَمة عبثاً .. كالغَرق في ماء النيل.. هل حكيت لك عن الغَرق في الماء الأزرق الثقيل؟ لو كنتَ مكاني ستُحب الغَرق.. سيشل النيل حرَكتك ببساطة آسِرة، ستفرد جسدك، وتنساب مع الماء، ستُحب طعمه كلّما داعب شفتيك وانطلَق إلى الداخل، عذوبته لا تُصدّق، رويداً رويداً ستتساءل عن جدوى الهواء، بعد قليل ستُفكّر في إعادة خَلق عالمَك تحت الماء، وستُغمض عينيك طمعاً في ماهو أعمَق .. أزرق .. وأعمَق.. إن كُنت محظوظاً مثلي .. ستفيق لتجد نفسك هائماً بين شفتين خُلقتا غالباً لتُقبّلك ..

كم دقّةً أفلتها قلبي؟ وكَم مرةً لم أنظر في عينيك إلى الآن؟ 


أفكّر .. من أين يأتي كُل هذا الماء؟




______________________________

*سعدي يوسِف


Friday, July 22, 2016

والبَحر؟




آخِر ملاذ من حموريّة الناس .. أليس كذلك؟

طبعاً .. ويبدو آخر ملاذ من أشياء كثيرة بداخلنا أيضاً .. المشكلة ليست طوال الوقت في "الناس" .. في "الآخرين" .. أو حتّى في "الحشود" .. حتّى في أغلب الإنقلابات العسكريّة .. يُمكنك دائماً أن تُلخّص المشكلة في فَرْد.. تحديداً في داخِل فرد.

تتشابك الحياة وتتعقّد .. وتتشابك أصابعنا أيضاً في تواطئ مُبتسم على تعقيد الحياة، وأنا أيضاً ابتسم .. بحثاً عن مكاني على شاطيء جديد، ولمحة جديدة من حياة أخرى، كأي فتاة صغيرة أحب البدايات، وأحب من يعدُني بها، وربما هذا الحُب للبدايات الجديدة، هوَ ما يدفعني أحياناً لإنهاء الحكايات بشغف، انتظاراً لبداية أخرى في مكانِ آخر .. أليست النهاية - ببسَاطة - بداية؟

بعيداً عن السرد المُتداخل في ألف ليلة وليلة، أحاول فَك تشبيكَة الأصابع، والبَحر يبتسم حين يلمحُ خطواتي تقترب من النهايَة.

في هذهِ المرّة .. كان البَحر أزرق جداً، وهناك درجة من الأزرق مهما حدَث للدُنيا وللناس لن أستطيع الفكَاك منها، ,وهذا البَحركان يُخرجها لي من أحلامي هذهِ المرّة ..لا.. ليس من أحلامي تماماً، كان يُخرجها من مكانٍ دفينٍ في نفسي، يحلُمُ بدرجةٍ من الأزرق لا تتكرر ولا تنبغي لأحدٍ غيري، كأنّي أحلمُ بمُلكٍ يمتدُّ مِلءَ البصَر وينتهي عند قدميّ.

يقولون أن الأزرق لونٌ ملَكيّ، وأنه مع الأحمر، لونا بُرجِي الفلكيّ، ولا يخفَى أنّي أهتّم، وأننّي عندما أهتم أظهر ذلك، في الحقيقة أنا أستمتع بإظهار الإهتمام، والبَحر كان ينظُر لي ويبتسم.. البحر ذكي، يعرف أن وراء هذا الإهتمام قُدرةٌ على الإستمتاع بالقطيعةِ أيضاً، ولهذا كان يناديني لأغرق في كُل مرّة تبتعد قدماي عن القاع، وكلعبة أصبحت مألوفة بيننا في اليوم الثالث، كُنت أداعبه بقدمي قليلاً وأسحبها، ألتقط صُورةً لنا ..قبل أن أعود إلى الشاطيء مرّة أخرى.. فقط لأراه يتفهّم .. ويبتسم .

أمشي على شاطيء جديد، لا يعرفُ شيئاً عني.. رُبّما تناثرت له بعض الأقاويل من هنا أو من هناك، ربّما ردّد العابرون شائعات، أو حكاياتٍ لم تكتمل عن احتمال وجُودي، لكنّه لم يكن متأكداً من ذلك، ولا أنا .. كُنّا نلمح بعضنا في الصور.. في الأجازات السنويّة يمُر الاسم في مخيّلتي فقط لتتغيّر الوِجهة، وكبحر يعرف أن له ميعاداً، كان ينتظر..

لماذا حدث هذا الآن؟ لا أعرف.. رُبّما إذا حكى لي في يومٍ عن المواعيد، والنصيب، سأستمِعُ بشَغف، كلصّة حكايات تُحب ما تسرَقه، وتحتفظ به في مكانٍ أمين، لكنّي الآن أتعرّف عليه .. رُويداً .. أعودُ لعاداتي وأضُّمُ إليها عادات جديدة وألوان جديدة، أفكّر في التزاماتٍ طويلة، وفي أماكن أخرى لا تعرفني أيضاً.. من أين تأتي بهذهِ الدَرجة من الزُرقة يا جَميل؟

تبدو الحكايات القديمة بعيدة .. كأنني أخيراً أستطيع المشي على قدميّ مُجدداً، هناك بعض الندُوب، لكّن زُرقة هذا البحر تدفعها للإلتئام، خساراتٌ مرّت وفَقْد، تغيّرت الإتجاهات كثيراً ودارِت الأرض دورتها، وهذا بحرٌ جريء .. يُطهّر جروحي، لكنّه يسأل بعينين عابثتين: هل أنتِ راضيةٌ عن اختياراتِك؟

هل تريد أن تعرف حكايتي كما حدثت؟ أم كما أحكيها؟ أستطيع أن أضيف بعض المخلوقات السحريّة إلى الحكاية الأصليّة، لكنّي لن أكذب أبداً في كُل مرّة صدّقت فيها رسائلك البعيدة، وفي كُل مرّة صدّقتُ أننا سنلتقي وستُظهِر لي هذهِ الدرجة من الزُرقة التي تنبُع فقط من داخلي.
لربما سمعت كيف يحكيني الناس.. ولكن حقيقة ما حدَث هي مُلكي الذي لا ينبغي لأحد، وهذا مكاني من العالم .. أعرف عنه بعض الإحداثيّات الآن.. لطالما كنت أعرف مكاني في قلب البحر.. لكن بحراً بهذهِ الزُرقة احتاج الأمر وقتاً كي أتثبّت من المِعرفة.. هذا مكاني يا بَحر .. فهل عَرفتَ أنتَ مكانك؟
الصورة لبحر دَهب - مصر - يوليو 2016 بعدسة نهاد زكي.

Monday, June 20, 2016

تعبيرٌ بَليغ



بدأ الأمر بكلمة بسيطة تتردّد في رأسي عن الإشتياق .. كيف تُفسّر اشتياقك لأشياء لم تحدُث؟ والأهم كيف تفسّر اشتياقك لأشياء حدثت بالفعل؟ لا داعي أبداً للاستهانة بالسؤال الثاني .. أليست السعادة رغبةٌ في التكرار؟
في الوقت الذي تتوالى فيه بعض الأسئلة في رأسي عن توصيفات مناسبة للمشاعر، وللأسباب، ومحاولات للقفز فوق حواجز اللُغة، كان قلبي يبدأ في الاستماع إلى الحديث الدائر.. يعودُ إلى أعوامٍ سابقة ويسأل.. كيف مرّت بلا اشتياق؟
يبدو صعباً أن يُصدّق .. الاشتياق عندي لحظة، قد أمسك بها وقد أنساها في خضم الحركة اليوميّة الدائمة، عندما اختبرت الفقد بمعناه الكبير مُتمثلاً في الموت عاماً وراء الآخر، اشتقتُ للسنين التي كُنت أتمتّع فيها بكامل الصُحبة، لكن شيئاً في داخلي عاد لينغلق في وجه الماضي بعد قليل.

أعودُ إلى الكتابة بعد انقطاعٍ آخر.. لقد كانت السنوات الماضيَة قاسية، والشهور كذلك، والأسابيع الفائتة أيضاً، في كُل يومٌ أواجُه قدراً عابثاً أو صحيفة دُنيا مليئة بالمفاجآت والإمتحانات والابتلاءات.. أريد أن أسجّل اللحظات الحلوة أكثر ممّا مضى .. وأمسُكُ بيديك بين راحتيّ لأطوَل وقت مُمكن، وأحتضنك طويلاً عسَى أن تمنحني روحَك بعض الشجاعة والحِكمة في مواجهة قَدَري.

ثم بدأ الاشتياق في الاتصال.. اشتياقٌ دائمٌ. خفيفٌ وقع خُطاه، يبدو بعيداً في عُمق الصورة، ويبدو ضئيل الأهميّة في مؤخرة الرأس، لكنّه ثابتٌ في غرفةٍ من غُرف القلب، يؤلمُ النَفَس في الليالي الطويلة، ويقرص الرُوح حين تُحاول الاحتيال عليه.

أجلسُ في نفس المكان وأتذكّر لقاءنا الأوّل.. كُنت أريدك وأخَاف.. أخاف وأريدَك.. صغيرةٌ بين يديك تتمنّى أن تُقبّلها في الشارع، وتنتظر اطراءاً على صَندلِها الجديد، وتتمنّى ألا تراك ثانيةً.

شيئٌ في عينيك هذهِ المرّة سَاقني إلى اللّهفة، لكن اللّهفة لا تكفي، الدُنيا في يميني.. والسنين دائماً لا تكفي، أقولُ لها إن تجُودي، فصِليني.. فتوصِل الاشتياق بالليل بقلبِي بكَ بنفسِي.. يا لَهْفَ نفسِي..

أذوبُ في الجُملة.. يا لَهْفَ نفسِي! يا لَهْف قلبِي!

ينبضُ قلبي بدقّات زائدة تحيّةً للتعبيرالبَليغ.. ما بيننا: اشتياقٌ مَوصُولٌ وقَسوةٌ ولهفةٌ ودُنيا مِلكُ اليمين، وشيءٌ من حُزنِ هذهِ الجُملة:
" يا لَهْفَ نفسِي عليك.."

Wednesday, December 16, 2015

شَفَتيه


تَعرِف عندما أبدأ بكلمة "طيّب" فمعناه أنّي كُنت أفكّر كثيراً قبلها .. لكن ماذا عندما أبدأ بكلمة "لكن"؟
أصعد درجات السُلم القليلة التي تفصل بيننا .. وأنظر إلى أعلى كثيراً لأن هناك درجات من عليّين تفصل بين جسدينا.. هناك ما يحول دائماً بيني وبينه .. كُل نظرةٍ منه تُرهقني وتردّني إلى زمنٍ قديم وحُبٍ أزليّ .. لستُ متأكدة تماماً إن كُنت أعرفه أو لا .. لكّن شيئاً في نظرته 
يأتي من هناك ليأخذني.. وأهرب من نَظرته كُلّما استطعت .. أريد أن أرى الحاضر والآن.. ما الذي يحدّث الآن؟

لكّن لمسةً من يده تسحبني.. تسحبني وترفعني إلى سحابٍ مُقيم في سقف الغُرفة، أقترِب أكثر.. إنحدارٌ في زاوية فمه يُخفي الأرض من تحت 
قدمّي .. أسقُط في فراغٍ فسيح .. ويهوي قلبي من عِلٍ..فأجفل وأشهق!

يبتسم.. يعود الإنحدار إلى موقعه كأنّه لم يتحرّك قبلاً .. أذهب أنا إليه، مترددّة الأنفاس، شفته العليا تستقبلني، والسُفلى تضم محيطي كاملاً، يفيض نهرٌ من الباب القريب فجأة، يندفع الماء إلى الداخل، يفتح زاوية عينيه قليلاً يراقب اقتراب الماء، ويقبّل مكاناً مُظلماً في روحي أخفيته جيداً، كيف وجده؟

تجرّني الشرور من رأسي، وتصعد الذكريات السيئة إلى السطح بسُرعة، روحي تنسحب إلى الداخل، نورُها يخفُت، وشفتيه تبتعد.. لكني لا 
أريدها أن تبتعد، أريد أن أنجو، أهتف بشفتيه، اقتربي! انقذيني! أنا هنا!

يبتسم.. تقترب الأنفاس التي صرت أعرفها من وِجنتيّ، أتشبّث بها، أريد أن أتنفّسها جميعاً، وأفكر في بيت شِعر جديد" في قُربك لا
 أحتاج للأكسجين" ، تجري روحي كالمجنونة من نِزيف الشِّعر، تلاحق الشفتين على الكتفين، وعلى الرقبة وعلى الوجنتين، حتى تنطبق شفتيه على شفتي بالضبط، بالضبط، تنسحب كُل الأشبَاح إلى عُمق الداخل، ويسود السكون.

شفتيه تَعِد.. تلمس قدر إصبعين من جلدي وتَعِد بالفَرح، تلمس كَتفيّ وتَعِد بنهرٍ يفيض ورُوحٍٍ تطفو، تلمسُ عنقي وتَعِد، بسكونٍ يُجبر كُل الشرور على البقاء في القاع، تلمِس شفتي وتَعِد، بقلبٍ سيجد من يتلقفّه في كُل مرة يسقُط من شاهِق.




The Kiss by Gustav Klimt