RSS Feed
و أنا..أنا..لا شيء آخر

Wednesday, October 24, 2007

التسعينيات المجيدة


*تابع الاجزاء السابقة من القصة علي بوج أميرة حسن و بلوجي..هذا هو الجزء الخامس..0
منتصف التسعينات..هدوء قاتل،كالذي تلي سقوط القنبلة الذرية علي هيروشيما أو ناجازاكي في أربعينيات نفس القرن..الدول العربية
منهكة من حرب الخليج..مصر متورطة كالعادة..المزيد من اتفاقيات صندوق النقد والبنك الدوليان..المزيد من ثمار الانفتاح..ربما الجات كذلك..حرية السوق والاسعار والفساد وحرية اي شئ يمكن أن تتخيله إلا المستهلكين..الطبقات التي أصبحت أكتر فقرا..عودة أغلب المصريين المقيمين بالخارج إلي الداخل..لإعتماد الدول إياها علي الاجانب والمواطنين بدلا من الاشقاء المصريين..تمركز ورستأة"الطبقات الجديدة"من رجال الأعمال الحرة..الكماليات تغزو لتصبح ضروريات..أغنيات من نوعية"ياوله كلك عاجبني..ومافيش معلم هيحاسبني"..ربما لأن "المعلم" اغتالته جماعة من الجماعات في أوائل التسعينيات..ماعدا حادثة إرهابية من وقت لآخر-بعد احكام السيطرة-تضرب السياحة..وصفحة الحوادث في أي جريدة قومية..لا يوجد شئ يذكر..
الأمركة..وحب كل ماهو اجنبي..وظهور مصطلح عقدة الخواجة...التسعينيات المجيدة..التي لا تحتوي علي اي احداث علي الاطلاق..ولا تحتوي علي اي ابداع ادبي يذكر..لاشئ..فراااااغ...سياسي واجتماعي واقتصادي..حوادث الارهاب التي قضت علي السياحة المصرية...تتشابه مع استبعاد الهرم الاكبر ومنارة الاسكندرية من عجائب الدنيا السبع.معاقبة دولة عربية أو اثنتين..و"قلق" امريكا من شئ ما...يتشابه مع الآن وغدا وكل يوم..كل هذا لم يؤثر في مصر بشكل واضح..سوى انه زرع في تربتها مزيدا من المقاهي وصالات البلياردو واختراع الفيديو كليب الوليد وسياسة"اللهو الخفي"..
انها الفترة "المستقرة"...أو"الفترة الآمنة" في إسقاط قد يذهب بعدة حروف الي محاكمة عسكرية.
باختصار...كانت المرحلة المناسبة لعودة أبويها من الخارج..واستقرارهما النهائي في مصر..
تنبهت منى لنفسها وقد سرقتها الخواطر،ومنعتها من قراءة الكتاب الذي بيدها..كان "أمريكانلي"لصنع الله ابراهيم..نظرت إلي تفسير العنوان ثم قالت بسخرية:"وهل كان لي أصلا؟!"..ندمت انها اختارت هذا الكتاب لأبيها الاسبوع الماضي..لأنه أعاد إليها لحظات حماستها وهي صغيرة ،للإستقرار في مصر..النهم الذي كانت تجمع وتقرأ وتحلل به كل مايقع تحت يديها عن بلدها،الذي لم تكن رأته يومها،إلا مرات قليلة في إجازات خاطفة،تعامل فيها كضيفة عزيزة وفقط،بدايات الحكاية التي غرقت في منتصفها الآن..والوجع الذي تشعر به بعد لقاء الأمس..اعتدلت في جلستها علي الكرسي المواجه للشرفة،وأشعلت سيجارة،فتحت الكتاب وهي تنهي نفسها عن الفكر..قرأت اول صفحة..ثم:
"لأني أحبك"..
قفزت العبارة إلي عقلها فجأة..مرورا بقلبها طبعا..وإلا فما معني الدقات السريعة التي تستشعرها؟!..رغما عنها،انسالت الكلمات في رأسها حتي أغرقت ملا بسها وصفحات الكتاب..فأغلقته..ثم عقدت يديها خلف رأسها..وعادت بها.. وبالزمن.. بضعة ساعات للوراء..لموعدها مع صديقنا "الذي يرسم"..علي وزن "الذي يأتي في الظلام"..كم هي صادقة تلك العبارة!..هاهي تراهم-هي و عمر-يجلسون دائما في الركن المعتم من الفيشاوي بالداخل..يتجولون بالسيارة في شوارع مظلمة..حتي بالأمس..لم يفقد حذره..تراه بعين الخيال يدخل المقهي وهو مضطرب..يختار أبعد ركن وأكثرها عتمة..يجلس..يعبث بساعته..يثني اكمام القميص الداكن،ثم يعيد فكها..يراها آتية..يسلم عليها ثم يصمت..يلتفت..يقول:"أنا متجوز"..تنهار الدنيا.."لأني بحبك"..قد يبقي منها مايصلح للترميم..
بعد عشر دقائق من الصمت..تقول بصوت خافت:"عمر..أنا مش عارفة أقولك إيه..أنا مانكرش اني اتشدتلك جدا الأيام اللي فاتوا..بس..بص..انا مش هاشيل إيدك من إيدي و أسيبك وأمشي..بس أنا عايزة أعرف ليه؟..وإزاي حطيت نفسك في الوضع ده؟..وإيه اللي وصلك لكده؟والأهم:
Are we having any future together??”
عقلها الذي يحلل كل شئ،ويهمه ان "يفهم"..أكثر من أن"يتوجع"..لا يتركها حتي هنا..انسياب الأسئلة يزعجها،ولكن عمر
يمسك بيدها بقوة..ويقبلها بعنف وعيناه كقلعة تسحب دموعها\قواتها إلي الداخل:"هتعرفي كل اللي انتي عايزاه..انا عارف اني غلطان..شكرا لأنك ماسيبتنيش.."يعتدل في جلسته قليلا..ويشرق وجهه ويقول"شكرا لأنك..كزهراللوز أو أبعد"
ابتسمت قليلا..ألم تكن تسعي لشئ جديد؟وعلاقة مختلفة؟..وخيال تغرق فيه؟..إذن ما هذا الذي يؤلم في الكتف الأيسر؟.."
انتفضت من جلستها علي الكرسي...عادت الي الزمن الحاضر..خاطبت قلبها قائلة بطريقة شيكسبيرية:
"أيها القلب..
كف عن التوجع..
كف عن إدعاء الوهن..
أيها القلب..
لم يمر إلا الأبسط..
فانقبض..وانبسط
ودعني أبحث عن نفسي
فيه.."
واجهت نفسها في المرآة وقالت بتصميم:"هذه المرة..الحب سينتصر!".
ولكن "يوسف"..الذي رآها بالأمس في الفيشاوي..كان له رأي آخر
..
اللوحة لمحمد عبلة