RSS Feed
و أنا..أنا..لا شيء آخر

Monday, January 21, 2013

كعجوزٍ يتوكّأ علي عصَاه



يبدو أن الفراق صعب كما يقولون.. 

و يبدو أن قلبي به فراغٌ مُوجع..لا يمكن لمسه..ولا الإقتراب منه..فماذا عن صبِّهِ أصلاً ؟

أتحدّث كثيراً عن قلبي هذه الأيام..مع نفسي بالمقام الأول..لا يوجد هنا من يريد أن يسمع حالة قلبك اليومية.. بالأمس كان خائفاً جداً ..أمس الأول كان مُتعلقاً بباب قلبِ آخر..اليوم كأنه عجوز أُخذ منه البصر..و أعطاه أولاد الحلال عصا يتوكأ عليها و يتحسس بها الطريق..
لا أبكي و لا يسألون..كأنهم عرفوا أني لا أبكي أمامهم ..و أني لا أجيد إلا البكاء بعيداً ..
حتي هي لا تسألني ..اكتفت بابتسامة طيّبة عندما زرتها مع أمّي ..و اتسّعت ابتسامتها و أنا أهيل علي قبرها جريد النخل و الورود .. 

يا قلبي يا سيّدة يا زينب! أبحث عن صديقتي عجوز الكرامات بين أبوابك و عند مقامك فلا أجدها...قلبي عاجزٌ أمام الناس ... قلبي عاجز أمام قسوتهم و ترددهم و حبّهم الخائف و خوفهم المُحّب..قلبي عاجزٌ أمام رحيلهم يا ست العواجز.. قلبي عاجز أمام انقطاع المحبة..

لا أرد قضاء الله و لا أعترض..لا تُسيئي الظن برُوحي التي تتحسس مقامك بعينين ذهب منها الوَنَس يام هاشم..جُل الأمر أني وحدي ..وحدي تماماً في مواجهة كل من يطلبني سنداً ..و أنا بلا سند

رفقاً بأمي ..رفقاً بنا يارب و كل يوم تتأكد فجيعة الفراق ..يارب أيقدر علي هذا الحُزن أحدٌ من خلقك؟

خفف الوجع عند التذكّر .. رفقاً بالقلب يارب ..إنه بين اصبعيك تقلبّه كيف تشاء . . بَسَطتُه علي بابك  ..رَفَعتُ أصابعي عنّه كيلا أعصره في لحظة غضب أو نِقمة ..و دلّيت ذراعي حول كتفي أمّي..

أتمسّح بعتبات الكِرام عل شيئاً يُصيبني من كراماتهم.. أمشي في طريق المقبرة..لأجد في مواجهتي لصقاً بها ..سيدي عمر بن الفارض..ياه!..اشتقت لهذا الحضن منذ عامين..عامين لم تطأ قدمي أرض مقابرنا و لم أجلس في باحة المسجد أتأمل في ديوانك..و أتخيّل كيف تكون خِلوتك أعلى الجبل؟

يقولون أن من كراماتك أن أسدأ كان يُصاحبك و يحرسك و يحرس الخِلوة..ضارياً علي خلق الله أليفاً في حضرتك..و أنا أصدّق .. لو كان هذا الأسد مقدار حزني لما صدّقت .. حتي جسست مقامك بقلبي الكفيف .. فرُد إليه البصر..

آه يا سلطان العاشقين و مولاهم و مولاي.. أطمأنيت إلي حضرتك كما أطمأن جدّي إليك في كفنه منذ ستين عاماً تقريباً ..يقولون إنهم كانوا ينقلون رُفَات جدّي شيخ الأزهر الكبير بعد كامل عامٍ من وفاته – كان جسده كما هو – صلُّوا عليه في السيدة نفيسة ..و وصلوا إلي المدفن..فأبي التابوت إلا أن ينظر نحوك..و حاول ثلاثة رجال أشداء أن يعدلوه إلي حجرة الدفن هباء..فأدخلوه إلي حضرتك ، و صلوا عليه ثلاثتهم فقط في غير مواقيت الصلاة..و قاموا فدفنوه فدفن راضياً..و أنا أصدّق ..لو لم تكن هذه النظرة نحو مقامك تًريح الجسد و القلب و الروح..لما صدّقت حتي عانق مقامك الجزء الفارغ المُوجع في قلبي..فاستراح..

إلقِ عليّ سكوناً من روحك الراقصة يا سيدي ولا تُداوني بالصبر..يقولون أنك مررت بقوم في السوق ينشدون ذكراً..فرقصت كالتنّورة ..و هززت جسدك يميناً و يساراً كلما ذُكر اسم الله في ناحية..و ظللت كذلك حتي اجتمع أهل السوق و انتظموا عن يمينك و عن يسارك يقلّدونك في مشهد مهيب.. ظللت كذلك حتي وقعت مغشياً عليك من الوجد..  من هنا نعرف الرقص الصوفيّ اليوم.. و أنا أصدّق ..لو لم أقرأ دعاء الوفاة بجانبك بهذا الطرب و الماء يرقص في عينيّ..و لو لم أرتّل يس كما لم أرتلها منذ سنين ..لما صدّقت حتي سمعت صوتك و رأيت رقصك في الساحة المجاورة لمقامك الذي كنت تنزل فيه من الخلوة لتستقبل العامة و المريدين و السائلين.. و تقيم حلقات الذكر و الحضرات..فانبَسط قلبي إلي الله..

لا يُضاهي في قلبي مقام رئيسة الديوان إلا مقام سلطان العاشقين عمر بن الفارض.. 
غريبٌ قلبي يتعلّق بدروب وَعِرة.. و عاجزٌ أمام الناس و لكنّه ينتظرهم..و عاجز أمام الفُراق و لكنه يَصْطبر..و عاجز أمام الحزن و لكنّه ..يحاول أن يتجلّد..




Friday, January 04, 2013

الحكاية و ما فيها

ربما تحتاج أن تستعيد هذه مرةً أخرى .. أعلم أنك سمعتها من قبل ،لكن ذكّر ،فإن الذكرى تنفع:

و بالمثل..فإن:  

البنت التي تستيقظ كل يوم علي صوت بائع الروبابيكا في تمام السابعة صباحاً "كراكييييب قدييييمة للبيع" تفتح عينيها مرةً .. و اثنتين..و الثالثة : تقوم من السرير بحركة مفاجئة ..تكتشف أن الساعة أصبحت الثامنة و النصف ! تجري علي الحمام ثم تقفز في ملابسها ثم تهرع إلي السلّم .. تشير إلي التاكسيات بجنون..لا يوجد وقت الآن لانتظار المواصلات الأخرى..يقف لها أحدهم فتستقلّه ..تصل إلي العمل..تصعد السلالم وثباً ..الساعة تشير إلي التاسعة و الربع..تحمد الله علي نِعَمِه و تدخل إلي مكتبها ..
كأنها سقطت في كوب من الحليب! بياض تام ! فراغ ! تتلفت حولها باندهاش.. تحاول أن تصل إلي الحوائط لتتلمس الطريق ..لا حوائط..لا حدود ..تهلع! تصرخ! تنادي علي زملائها واحداً واحداً ..تنادي علي أبيها و أمها و أخويها .. و لا مجيب.. تُخرج الهاتف و تتصل بكل الأرقام التي عليه..لا يجيبها أحد .. تجلس في مكانها متقوقعةً تبكي ..يرن الهاتف فجأة .. "ألو .. حبيبتي انتي فين؟" تخبره أنها ليست حبيبة أحد .. يرد " حبيبتي أنا علي..ردي عليا..أنتي فين؟" ثم يتشوّش الصوت و ينقطع الإتصال..تتصل علي الرقم كثيراً..الوحيد الذي يلتقط هاتفها شبكته ..لا يرد..ثم تجد الهاتف مغلقاً ..
تسمع صوت موسيقى خلفها فتستدير لتجد فرقة كاملة تعزف مقطوعة شرقية..تقوم و تجري إليهم و تقف أمامهم مشدوهة ..تندمج مع الأنغام و تتمايل راقصة قليلاً..ثم كثيراً .. كأنها علي المسرح ..تنتهي المقطوعة لتجد هناك من يحتضنها ضاحكاً .. لتجده أخيها الأصغر ..ممسكاً ب " رِق" و هازاً يده ليصدر صوتاً محيياً .. تضحك..أنت انضميت للفرقة دي امتى؟ فيجيبها " بقالي بتاع سنة ..بس إوعي تقولي لبابا ..طول عمرك بتحبّي الرق .. و طول عمري باشوف وسطك متعلّق بيه ف أي رقصة" تضحك .. و تقول له لنعد إلي المنزل سوياً فيخبرها أنه يجب أن يذهب مع واحد من أصدقائه إلي المحطة القريبة ..يرن هاتفها ، تمسكه لترد ..لتجد المشهد كله اختفى! تجزع قليلاً ..و لكنها تمشي ..إلي الأمام.. تجد أمامها بيتا قديماً يشبه في بناءه الأفران القديمة ..أو ربما المستوقدات التي كان تحرق فيها القمامة في الأيام العتيقة .. تجري إليه ..و تدخله متوجسة..تمشي في ممر طويل..ليصدمها في آخره بخار كثيف و سخونة .. تنظر لتجد مجموعة من النساء عاريات تماماً ! يجلسن حول مغطس صغير ..بعضهن يجلس في المياه و الأخريات علي الجانبين يتم تدليكهن و العناية بأجسادهن..تخطفها حيزبونة سمينة ..تخلع عنها ملابسها و تقودها إلي المغطس .. تنزلق في الماء الساخن .. تُخرجها .. تحاول تغطية نهديها بكفّيها و لكن العجوز تمنعها و تضحك بقية النسوة ..تدلكها بحرفيّة و تخبرها أن تستحم و ترتدي ملابسها ريثما تذهب للمحطة القريبة و تعود لتأخذ منها النقود ..في الوقت الذي انتهت من ارتداء الجاكيت .. وجدت نفسها في منطقة زراعية...غيطان علي الجانبين و هي علي جانب طريق عام..الهاتف يرن و ترد " طيب أستناكي فين طيب..المحطة؟!"..تصرخ.."علي؟! " يغلق الخط..تدمع عيناها ..لقد انتهت بطارية هاتفها..اللعنة! المحطة؟! أين الطريق إلي المحطة التي يذهب الجميع إليها؟
تمشي و قد نال منها التعب.. تجد كشك سجائر علي الطريق فتجّد السير إليه..تجد هاتفاً قديماً بالأجرة فتعيد طلب رقم بعينه مرات عديدة .. ينظر لها البائع متشككاً..خصوصا أن حجابها لا يبدو ملتزماً تماماً بخصلة الشعر التي تسقط علي جبينها..تبدو عيناها كذلك كأنها لم تتوقف عن البكاء - أو تعاطي المخدرات - منذ ثلاثة أيام .. تعيد الهاتف للبائع.. فيقول لها : " نَبكي على الدنْيا وما مِن مَعشرٍ .. جَمعتْهُم الدنيا فلَم يَتفرّقوا" تستغرب قليلاً و تسأله كيف عرف أنها كانت تبكي؟ " فيبتسم : "وَلَيسَ يَصِحّ في الأفهامِ شيءٌ .. إذا احتَاجَ النّهارُ إلى دَليلِ" تبتسم للمرة الأولى منذ بدأ هذا اليوم ، بائع يظنّ نفسه المتنبّي ! تسأله عن مكان تشحن فيه هاتفها ..يشير إلي خلفها بغموض قائلاً "أحُلماً نرى أم زماناً جَديدَا ؟" ..تنظر.. المحطة! تجد أمامها توك توك صغير ينتظرها..تركب ..كل شيء يقودها إلي المحطة! ..و "علي" على الجانب الآخر من المحطة ..تنظر في هاتفها لتجده يعمل! تتصل برقمه..يرد.."علي! أخيراً رديت علي التليفون!. ! أنا تعبت! هاجيلك!!"" علي باب المحطة الكبير تترجل .. تخاف..تمشي قليلاً ..تخاف..تفكّر
خفضت لك جناحي يا علي ..خفضت لك جناحي فاسبغ عليّ من الرحمة ما يحولُ بيني و بين الناس.. أتخون عينيك الإنتظار يا علي و تكتفي بالجمال؟
تفيق علي صوت سيدة تنهرها و تخبرها أن تنظر إلي موضع قدميها " ما تفتّحي يابت انتي ..انتي تايهة ولاّ إيه؟! " تعتذر و قد وجدت نفسها علي رصيف القطار تكاد تسقط علي القضبان الحديدية.. تجد لنفسها مكاناً تجلس فيه إلي جانب الحائط الموازي للكافتيريا..تفكر، كيف ستعرف علي؟..لا تعرف..هو سيعرفها..ماذا ستفعل به أو معه؟..لا تعرف..هو سيعرف..يكفيها مشقة الوصول إليه في هذا اليوم الغريب..ترجع رأسها للوراء..يداعب النوم عينيها قليلاً و لكنها تفيق علي صوت صافرة القطار و الميكروفون يهيب بالركاب الصعود..تقف و يتحفّز جسدها .. أتصعد؟ أتخوض الرحلة؟  تأخذ نفساً عميقاً ، و تصعد .. يسير القطار مقترباً من علي ..و تبتعد رائحة النيل عن أنفها مخبرةً إياها أنها ابتعدت عن أمانها كثيراً .. 

تابعتني إلي هنا هذه المرة أيضاً؟ تريد أن تعرف ما حدث؟ حسناً ..أغوَتك روح شهرزاد في الحكاية يا صديقي و ربحتُ أنا الجولة الثانية .. في المرة القادمة - إن صدَقْتَني- سأحكي لك عن البهجة..بهجة اللُقيا بلا ميعاد .

الحكاية و ما فيه


كما يحادثُ الشاعر صاحبيه المتخيًّليْن ، ليهادن القافية و ليخفي ولعه بالحديث إلي حبيباته في القصائد أكثر من الحقيقة ..أحادث أوراقي.. لأخفي ولعاً بالحديث إلي نفسي
في الحقيقة .. أفكّر و أفكّر.. تدور القصص القصيرة في رأسي .. أقصّها لعلّي أتذكر شيئاً منسياً
يعني مثلاً
 الولد الذي يهرع كل يوم علي سلالم البيت في تمام العاشرة صباحاً ، مغلقاً أزرار قميصه في السلمة الثانية ،و ضاماً الجاكيت في الثالثة.متذكراً الهاتف و المحفظة في الرابعة، و مؤمناً علي مفاتيحه في الخامسة، يقفز السلمة السادسة و يفكّر إن كان أغلق الباب أم لا في السابعة و الثامنة..يهرع إلي عمله الذي تأخر عنه كثيراً .. في الطريق يهاتفه رقم لا يعرفه..يرد ليجدها فتاة ..تصرخ: "علي! أخيراً رديت علي التليفون! " فيخبرها  أنه ليس علياً ..تصرخ: "علي! أنا تعبت! هاجيلك ! أنا هاكون النهارده في محطة مصر علي رصيف خمسة الساعة تمانية عايز تقابلني براحتك ..مش عايز أنا هاعرف أتصرف!" و تغلق الخط بغضب من رد فعله .. يتصل بها مرات عديدة لإحساسه بالذنب علي علي الذي لا يرد علي هاتفه ..و تنتظره فتاة رقيقة ذات صوت ونّاس كهذه البنت..يتصل و لا ترد..ثم يجد الهاتف مغلقاً ..يمر يوم العمل عادياً و يأخذ مكافآة صغيرة..فيقرر أن يشتري لأمه عباءة و لأخته اسطوانة قديمة لوردة..يعرف ولعها بها منذ كانت طفلة،في طريق عودته من المنزل يركب ميكروباصاً .. يخاف ان يركب تاكسي هو..مؤمن أن اليوم الوحيد الذي سيركبه فيه سينسى محفظته بكل ما فيها علي المقعد الخلفي! يسرح في اللاشيء ممنياً نفسه بوجبة غداء لذيذة في بيت الأهل .. ليفيق علي السائق ينهره مطالباً منه النزول فوراً : "اصحى يا عم هي ناقصاك!" ينزل متبرماً ..ينظر حوله ليجد نفسه في الفراغ! فراغ فسيح يا عزيزي..لا يوجد بشر ! ولا وسائل مواصلات ! ولا بهائم و لا حيوانات ضالة حتي! صحراء علي مرمى البصر! يمشي مسرعاً إلي الأمام..يتوقف..يتلفت في جميع النواحي كالمجنون..يهلع قليلاً .. يمشي أسرع..يجري ..يجد أطفالاً يلعبون كرة القدم علي مرمي  البصر ..يهرع إليهم ..يهللون لرؤيته و يتضاحكون فيما بينهم ،و يرمي أحدهم إليه الكرة..يكتشف انهن بنات صغيرات ربما في المدرسة الإعدادية ..يضحك و يتلقف الكرة علي ظاهر قدمه بحرفنة .يرواغ قليلاً . و يسجل هدفاً ! تضحك الصغيرات و  إحداهن تحتضنه..يجدها أخته! يضحك و يقبلها قائلاً:"بتزوّغي من المدرسة علشان تلعبي كورة!" فترد بانبساط:"مانت كمان كنت كده..ماما حكتلي..بس أنت طلعت حريف يعني! "..يعطيها الكيس الذي يحمله بعباءة أمه و الاسطوانة و يخبرها أن تعود إلي البيت باكراً..يرن هاتفه ..يلتفت ليرد ..فلا يجيبه أحد .. و يجد المشهد قد تبخّر ! يتلفت حوله ..يمشي قليلاً فيجد شيخاً علي عتبة منزل يحاول النزول..يمشي إليه يحاول الإمساك بيده : فيتهدل صوت الشيخ في ملاقاة عينيه : "
يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا
" .. فيسأله عن الرغبة في الموت و علاقتها بعبور العتبة.. يصرخ الشيخ : "هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ"! و يخرج عصا من خلفه يتوكأ عليها و يمضي..يذبهل صديقنا ..يفكر في اتباع الشيخ .. يفكر في خاطر مضحك..ماذا حدث للمجانين الماشين في الشوارع صارخين "يا ولاد المتناكة"؟! هو شخصياً يعرف اثنين منهم في منطقتين مختلفتين ..متي ذهبوا و حل محلهم شيوخ  لا يتحدثون إلا بالقرآن؟

ينظر في ساعة يده ..إنها تقترب من الثامنة..يدّق قلبه بدلاً من الساعة .. يفكر في الذهاب إلي المحطة .. أيذهب؟ تأتي الإجابة في صورة "ميني باص"متهالك كُتب علي واجهته "رمسيس" يشير إليه بعنف ..فيقف..يركب..ينظر إليه السائق نظرة ودودة و هو يأخذ ثمن التذكرة..يجلس علي أقرب مقعد بجانب شاب يحمل راديو صغير،يتابع بشغف أخباراً عن حرب دائرة في مكان ما..سقوط ضحايا من الجانبين ..لا تعبروا الآن من شارع النيل..احترسوا من المرور فوق كوبري عباس! يصاب بذهول..إلي أين يأخذه هذا الميني باص المجنون؟ رحلة زمنية إلي أيام الإحتلال أم أن هناك كوبري عبّاس في غزة؟؟ يسأل الشاب متوجساً إذا كان هناك ما يقلق في الطريق؟ يجيبه الشاب بابتسامة غامضة :"شوف محطة مصر بقت عاملة إزاي؟" و هو يشير إلي الخارج.. المحطة! يوقف الميني باص و ينزل ..يجري إلي الداخل..الساعة تشير إلي الثامنة إلا عشر دقائق..يجد رصيف رقم خمسة و يجد لنفسه مكاناً يجلس فيه إلي جانب الحائط الموازي للكافتيريا..يفكر، كيف سيعرف البنت؟..لايعرف..هي ستعرفه..ماذا سيفعل بها أو معها؟..لا يعرف..هي ستعرف..يكفيه مشقة الوصول إليها في هذا اليوم الغريب..يرجع رأسه للوراء..يداعب النوم عينيه قليلاً و لكنه يفيق علي صوت صافرة القطار و الميكروفون يعلن عن وصوله..يقف و يتحفّز جسده ..يتوالى نزول الركاب من العربات ..يقلّب البصر فيهم علّه يلمح بنتاً لم تجف الدموع في عينيها بعد ..

تابعتني إلي هنا؟ تريد أن تعرف ما حدث؟ حسناً ..أغوَتك روح شهرزاد في الحكاية يا صديقي و ربحتُ أنا الجولة الأولى .. في المرة القادمة..سأحكي لك عن البهجة..بهجة اللُقيا بلا ميعاد .