RSS Feed
و أنا..أنا..لا شيء آخر

Friday, September 30, 2016

فليأتِ الماء! *

- على الإنسان أن يكون مُمتناً .. حينما يفتقده أحدهم في هذا العالم المُزدحم البائس المليء بالحزن والفقد والخراب.

تبدو هذه جملة افتتاحية لكتابٍ يتفلسف في شَرح أشياء بسيطة، أو لرواية طويلة عن مأساة أخرى، لكنّها في حقيقة الأمر ختامٌ ليوم واحد فقط، شعرتُ في ليلِه أن افتقادي لك يجب أن يُكافئ بشيءٍ ما، لم أفتقد أحداً منذ مُدّة وبدا هذا يستحق مقابلاً عادلاً، هل لازال الافتقاد بلا مقابل؟

كنا نمشي على ذلك الشاطيء، حين توقّفت أنا لأن شكل الرمال أغراني بتدوين التاريخ، عبثت بأقدامي قليلاً ورسمت باصبَع قدمي شكل الأرقام والحروف.. لاحظت نظرتك التي لا تفهم هذا الفِعل .. لكنني في بعض الأحيان - تفكير أناني قليلاً - أهتّم بالتدوين من أجلى أنا.. امساكاً بلحظاتي أنا السعيدة.. ربّما لا تكون هذه من أسعد لحظاتك وربّما تكون، بعد قليل ستطمِس أقدام العابرين الكتابة الطفوليّة، ولكن بقدوم الليل، ستُعيد كتابتها أمواج البَحر، هل حكيت لك عن تلك العلاقة بين الإيقاع بداخلي والأمواج؟ لا؟ رُبّما لم تلاحظ أن أوّل مرّة تأمّلتُ في بعض كلماتك.. كانت أمام البَحر..
هذهِ قصّة أخرى..
لكن الأكيد .. أن بعض وجودك يخلِق عالماً سعيداً بلا خراب ولو لفترات قصيرة، ويسلِتُ من قلبي دقّتين..


بعض هذه الأمواج السعيدة تحمِل نظرةً أحبّها، تفلت منك أحياناً حين تترك نفسَك على سجيّتها قليلاً، أو ربّما نفسَك هي التي تُصِر على الخروج والتجوال من خلال عينيك بمفردها، وتستفرد بي، وبعيني وبوجهي وبرقبتي.. أشعر بالنظرة على جلدي، ويدق قلبي دقتين زائدتين، التفت إليك فتهرب النظرة، وتتجوّل في مكانٍ آخر، لكنها تظل هناك في ذاكرتي، في ذاكرة جلدي، النظرة التي تلمس وتتحسس مسامي برقّة، وببعض الشغف المُتحرر، وتنزل بشقاوة واثقة لتطل على نهديّ، كأنّك ستمد يدك الآن لتقبض عليهما، يدق قلبي دقّتين، وأقول لن أنظر في عينيه الآن..

تأخذك موجةٌ أخرى قاسيَة، تُفلِت يدَك من يدي، أغتاظ وأمسِكها مرةً أخرى، فتأخذك مرّة أخرى، في المرّة الثانية أفكّر، ربّما تُحب أن يأخذك الموج.. فأترُك يدَك قليلاً .. لكِن قلبي يُفلِت دقّتين، وتتحرّك أصابعي بحثاً عن أصابعك، تطمئن إليها، وتسري موجةٌ أخرى من الدِفء .. فأسنِد رأسي على صدرك وأغمُض عينيّ، وأقول ..حسناً.. لن أنظر في عينيه الآن..


ما بين موجةٍ وأخرى، يغمرني بحرَك فجأة حين يُقرر ذلك! هكذا .. أستيقظ في صباحات الأيّام.. لأجد رائحتك تغرق الوسائد وتفوح من ملابسي ويُمكن فركها واستخلاصها من كَف يدي.. تبدو المقاوَمة عبثاً .. كالغَرق في ماء النيل.. هل حكيت لك عن الغَرق في الماء الأزرق الثقيل؟ لو كنتَ مكاني ستُحب الغَرق.. سيشل النيل حرَكتك ببساطة آسِرة، ستفرد جسدك، وتنساب مع الماء، ستُحب طعمه كلّما داعب شفتيك وانطلَق إلى الداخل، عذوبته لا تُصدّق، رويداً رويداً ستتساءل عن جدوى الهواء، بعد قليل ستُفكّر في إعادة خَلق عالمَك تحت الماء، وستُغمض عينيك طمعاً في ماهو أعمَق .. أزرق .. وأعمَق.. إن كُنت محظوظاً مثلي .. ستفيق لتجد نفسك هائماً بين شفتين خُلقتا غالباً لتُقبّلك ..

كم دقّةً أفلتها قلبي؟ وكَم مرةً لم أنظر في عينيك إلى الآن؟ 


أفكّر .. من أين يأتي كُل هذا الماء؟




______________________________

*سعدي يوسِف